روى أبو بكر بن مجاهد قراءات الأئمة السبعة من أهل الأمصار في كتابه المترجم بالقراءات، وكان اختياره لها قائما على الأساسين الآتيين:
(ا) ما حدثه به الشيوخ مسندا إلى الإمام القارئ.
(ب) رسم المصحف، فكان اعتداده بهذين الأساسين بمثابة توثيق واحتجاج لما اختار من القراءات. وسأعطى مثالا لكلّ يكشف من هذه النزعة عند ابن مجاهد.
(ا) قال في احتجاج لقراءة ابن كثير جبريل بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز، وميكائيل مهموز حدثنى الحسين بن بشر الصوفى [1] . من روح ابن عبد المؤمن عن محمد بن صالح عن شبل عن ابن كثير قال: «رأيت النبى صلّى الله عليه وسلم في المقام، وهو يقرأ جبريل وميكائيل فلا أقرأهما أبدا إلا هكذا [2] » .
(ب) وفى الاحتجاج برسم المصحف يقول: قرأ ابن عامر وحده: قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه، بغير واو، وكذلك هى في مصاحف أهل الشام [3] . ومن أجل تمسك ابن مجاهد بهذين الأساسين دفع الوزير بن مقلة إلى تعذيب ابن مقسم، الذى خالف في قراءته الأساس الأول، إذ كان يقول: «إن كل قراءة وافقت المصحف ووجها في العربية فالقراءة بها جائزة وإن لم يكن لها سند [4] » ، كما عذب ابن شنبوذ الذى كان يقرأ معتمدا على السند، وموافقة العربية، وإن خالف المصحف الإمام [5] .
ويبدو من هذا تمسك ابن مجاهد بالأثر تمسكا شديدا، وأرى السبب في ذلك أنه تأثر في ذلك بالنزعة التى غلبت على شيخه الطبرى أولا، ولأنه لم يكن ذا بصر بالعربية ثانيا، [6] ولأن كتابه القراءات قائم على النقل والرواية ثالثا. ومن هنا لم يجز شيئا غلبت من القراءة على مقاييس النحاة. وفيما يلى الحلقة الكبرى في هذا البحث تلكم الحجة لأبى على
(1) انظر طبقات القراء: 1/ 239.
(2) الحجة: 1/ 440ن مراد ملا.
(3) الحجة: 1/ 472مراد ملا.
(4) طبقات القراء: 1/ 124.
(5) طبقات القراء: 2/ 54.
(6) انظر المحتسب لابن جنى: 1/ 60.