ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء
فجمع بين اللغتين في بيت واحد في معنى واحد، وقرأها بعضهم بالتشديد، وخطوها على الأصل. والصواب من القول في ذلك عندى أن التخفيف والتشديد في باء الميتة لغتان معروفتان في القراءة وفى كلام العرب، فبأيهما قرأ ذلك القارئ فمصيب لأنه لا اختلاف في معنييهما [1] .
هذه النزعة من الطبرى، وسلوكه هذه المسالك، دليل على أنه كان سلفيا، يعتمد على الرواية، والنقل، والإجماع، ورسم المصحف، وهو في سبيل إقراره هذا المسلك لم يستجز قراءة ابن عامر (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم) ، لإجماع الحجة من القراء على غيرها، وأن تأويل أهل التأويل ورد عليه إجماع القراء [2] ، وهذا أمر غريب، وأغرب منه وصفه قراءة حمزة والأرحام في قوله تعالى: { «وَاتَّقُوا اللََّهَ الَّذِي تَسََائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحََامَ» } بأنها غير فصيحة مكروهة في المنطق، رديئة في الإعراب [3] . فإذا علمنا أن الطبرى معدود من الكوفيين النحويين [4] . وهم يجوّزون قراءة حمزة، وأن الطبرى كان يقرأ قديما لحمزة قبل أن يختار قراءته [5] . وأن قراءة ابن عامر وحمزة منقولة بالسند الصحيح إذا علمنا ذلك، بدأ الطبرى متدافعا في مسلكه، ولا يستطيع الباحث له تعليلا.
على أن موقفه في تفسير قراءة متواترة، قليلة نادرة، وهو في جل مذهبه كما أورد ياقوت على الجماعة من السلف، وطريق أهل العلم المتمسكين بالسنن [6] . وأترك أبا جعفر الطبرى لأتعرف على حلقة جديدة من حلقات الاحتجاج في مسلك تلميذه شيخ القراء ابن مجاهد احمد بن موسى.
(1) جامع البيان: 2/ 48.
(2) جامع البيان: 8/ 31.
(3) انظر جامع البيان: 4/ 141.
(4) معجم الأدباء: 18/ 60.
(5) معجم الأدباء: 18/ 66.
(6) معجم الأدباء: 18/ 81، 82.