فهرس الكتاب

الصفحة 353 من 735

قال لأمرين. أحدهما: طول الكلام، فلما تباعد آخره من أوله أعيدت، قال: لبعدها كما قد يجوز مع طول الكلام ما لا يجوز مع قصره. والآخر أنه انتقل من الدعاء لقوم إلى الدعاء على آخرين، فكان ذلك أخذا في كلام آخر، فاستؤنف معه لفظ القول فجرى ذلك مجرى استئناف التصريح في القصيدة إذا خرج من معنى إلى معنى، ولهذا ما يقول الشاعر في نحو ذلك:

ألا ناد في آثارهن الغوانيا ... سقين سماما!! ما لهن وماليا؟

كان التصريح مع الانتقال من حال إلى حال أخرى بالجواز، فهذا أحد الوجهين [1]

وجاء في الاحتجاج لقراءة: «يا حسره على العباد» مبينا أثر إطالة الصوت، وعلى هذا قال سيبويه: إنهم يقولون سير عليه ليل يريدون ليل طويل، وهذا إنما يفهم عنه بتطويل الياء فيقولون سير عليه ليل فقامت المدة مقام الصفة، ومن ذلك ما تستعمله العرب من إشباع مدات التأسيس، والردف، والوصل، والخروج عناية بالقافية إذ كانت للشعر نظاما، وللبيت اختتاما [2] » وانظر مهاجمة الفراء في تأويله قراءة أهل المدينة يخطف بسكون الخاء والطاء والتشديد فيجمع بين ساكنين [3] .

وهو ذو منطق خفيف يأتى به في التدليل سمحا سهلا، لا يمعن فيه كما يمعن أستاذه أبو على فيه، ومن هنا لم يشق ابن جنى على القارئ، ولم يعنف به كما لا يطيل، فذكر الأوجه، والتفريعات، والاحتمالات قليلا ما يرد عند ابن جنى [4] . وإنك لتراه يأتى بالمقدمات التى تسلم إلى النتيجة في غير عسر، كما تراه يقايس، أو يقول بالأولى والأجدر في هوادة ولين، وسأضرب أمثلة ثلاثة أعقب، كل مثال بالاشارة إلى ما يدل على اعتماده على المنطق، وإلى ما فيه من مسائله في الاحتجاج والتدليل.

المثال الأول:

أنكر ابن مجاهد رواية الحلوانى عن قالون عن شيبة» {أَوْ آوِي إِلى ََ رُكْنٍ شَدِيدٍ} [5] .

فدلل ابن جنى على أن ما أنكره ابن مجاهد سائغ جائز وهو أن تعطف آوى على قوة

(4) انظر مثلا ص 1/ 108.

(5) سورة هود آ 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت