على الصاحب هى التى خلقت من هذا الأخير عدوا للمتنبى، يذكر له سيئاته، ويطوى عنه حسناته» [1] .
ولو جرى الأمر كما كان يهوى ابن عباد لانعقدت بينهما المودة كما تأكدت بين المتنبى وابن العميد الذى مدحه الشاعر باللسان العربى، والرأى الفلسفى واصطناعه ما يصطنع الفارسيون في الأعياد.
ثم انتقل إلى تحقيق رأى أبى حيان في كل من السيرافى والفارسى، ثم رأى الفارسى في نحو كل من الرمانى [2] والزجاجى:
رأينا كيف كان أبو حيان التوحيدى متعصبا لأبى سعيد، وربما كان من أسباب هذا التعصب أن أبا سعيد أستاذ لأبى حيان، وقد حفظ أبو حيان لهذه الأستاذية قدرها، فهو لا يذكر أبا سعيد إلا في إجلال وإفاضة في الثناء، كأن يقول مثلا:
«حدثنى أبو سعيد السيرافى: «وهمك من رجل، وناهيك من عالم، وشرعك من صدوق [3]
أو يقول عنه: «وهو اليوم عالم العالم، وشيخ الدنيا، ومقنع أهل الأرض [4] » أو هو «شيخ الدهر، وقريع العصر، العديم المثل، المفقود الشكل [5] ، ويروى عن أبى سليمان أنه قال عن جواب أسمعه إياه أبو حيان من كلام أبى سعيد: «هذا حسن مقبول، ويدل على أن ما سمعته من هذا الشيخ غيض من فيض، وشرارة من حريق» [6] ، فأنت ترى أن أبا حيان يعلو بشيخه أبى سعيد حتى بفضله على جميع العلماء في عصره، وأنه في فضله منقطع النظير، وبدهى أن أبا على الفارسى المعاصر في زمرة هؤلاء العلماء الذين يفضلهم السيرافى.
* * * وإلى جانب هذه الأستاذية سبب آخر يدفع أبا حيان إلى تفضيل أبى سعيد ذلك أن أبا سعيد: «أروى في الحديث» [7] ، والمحدثون كانوا يعدون أكبر العلماء شأنا، بل كانوا يعدون من أعظم رجال الإسلام» [8] ، ومن هنا كان الاهتمام بسماع الحديث كبيرا حتى حكوا أن الحميدى المحدث المشهور كان أبوه
(1) انظر الصبح المنبئ 180.
(2) ديوان المتنبى.
(3) المقايسات 52.
(4) المقايسات 75.
(5) معجم الادباء 8/ 152.
(6) المقايسات 176.
(7) الامتاع 1/ 32.
(8) الحضارة الاسلامية 1/ 316.