فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 735

أما أبو على فلم يحفل بهذا الاشتقاق في تفسير الألفاظ القرآنية التى عرض لها في كتابه الحجة، وإنما كان يعتاده، ولا يعول عليه، حتى لأستطيع من ذلك أن أخلص إلى النتيجة التى أريد تسجيلها وهى: «أن تفسير اللفظ القرآنى بطريق الاشتقاق طابع خاص تميز به الزجاج، وفصل عنه تلميذه الفارسى، ولم يشأ أبو على أن يحذو حذو شيخه فيه» .

وربما كان السبب في ذلك أن أبا على تأثر أكثر ما تأثر في اللغة بكتب أبى زيد الأنصارى [1] ولم يكن الاشتقاق على ما يبدو قد ظهر في صورة واضحة المعالم في ذلك العهد عهد أبى زيد، وإنما كان الكلام فيه نتفا تروى ولم تبلغ درجة الرشد والاكتمال. وأمضى في بيان بقية خصائص كتاب معانى القرآن للزجاج.

ثانيا: تفسير اللفظ القرآنى أولا بالقرآن:

وهذه ذات شعبتين:

1 -فإما أن يكون اللفظ المفسر لا حقا للفظ المفسر في آية واحدة، فيستدل بذلك على هذا بطريق الاستنتاج كما في قوله تعالى: {«يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحََاكَمُوا إِلَى الطََّاغُوتِ، وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطََانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلََالًا بَعِيدًا} [2] .

قال: الطاغوت: الشيطان بدليل قوله تعالى: {«وَيُرِيدُ الشَّيْطََانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلََالًا بَعِيدًا} .

وفى قوله تعالى: { «وَقََالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبََادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دََاخِرِينَ» } قال: ادعونى: اعبدوني والدليل أن الذين يستكبرون عن عبادتى».

الطائفة الصالحة من الاشتقاق في كتابه معاني القرآن؟! وأى الشيخين المتعاصرين بدأ النجاح الكبير في نظرية الاشتقاق إذا سلمت جدلا، بعدم الاعتداد بجهود السابقين؟! صحيح أن بعض العلماء وربما دفعهم التحامل لم يرضوا عن منهج الزجاج في الاشتقاق كما أشرت إلى ذلك من قبل ولكن هذا لا يدعو إلى عدم الاعتداد به، وإغفاله حتى لا يشار إليه، مع أنه يمثل مرحلة كبرى من المراحل التى خطاها السابقون في هذه السبيل، ومما يزيد في أهمية هذه المرحلة عند الزجاج أنه يكاد يلتزمها في تفسير اللفظ القرآنى، في كتابه المعانى. هذا وقد عرضت في مكان آخر أبى بكر محمد بن السرى الملقب بابن السراج وهو معاصر كذلك لابن دريد وبينت تأسى ابن فارس به، ودعمت ما رأيت بالنصوص، وانتهيت إلى أن ابن السراج هو الأصل في الحديث عن الاشتقاق على صورة رضى عنها العلماء المشهورون بالادقاق (كابن جنى في خصائصه 1/ 526) راجع ص 293وما بعدها من هذا البحث.

(1) انظر الامتاع: 1/ 131.

(2) سورة النساء آية: 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت