فَلَوْ خَلَقَ كَلَامًا فِي الشَّجَرَةِ {إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا} لَكَانَ ذَلِكَ كَلَامًا لِلشَّجَرَةِ وَكَانَتْ هِيَ الْقَائِلَةُ: {إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ الَّذِي تَنْطِقُ بِهِ الْجُلُودُ حِينَ قَالَ لَهَا أَصْحَابُهَا: {لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ} فَلَوْ كَانَ تَكَلُّمُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ خَلَقَ كَلَامًا فِي غَيْرِهِ لَكَانَ كُلُّ كَلَامٍ فِي الْوُجُودِ كَلَامَهُ لِأَنَّهُ خَالِقُهُ وَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِذَلِكَ"الْحُلُولِيَّةُ"مِنْ الْجَهْمِيَّة كَمَا يُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَرَبِيٍّ صَاحِبِ"الْفُصُوصِ"وَ"الْفُتُوحَاتِ":
وَكُلُّ كَلَامٍ فِي الْوُجُودِ كَلَامُهُ ... سَوَاءٌ عَلَيْنَا نَثْرُهُ وَنِظَامُهُ
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ اللَّهَ إذَا خَلَقَ فِي بَعْضِ الْأَعْيَانِ عِلْمًا أَوْ قُدْرَةً أَوْ حَرَكَةً أَوْ إرَادَةً: كَانَ ذَلِكَ الْمَحَلُّ هُوَ الْعَالِمُ الْقَادِرُ الْمُتَحَرِّكُ الْمُرِيدُ: فَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ إلَّا مَا يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ لَكَانَ الْغَيْرُ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ. وَ"شُبْهَةُ نفاة الْكَلَامِ الْمَشْهُورَةِ"أَنَّهُمْ اعْتَقَدُوا أَنَّ"الْكَلَامَ"صِفَةٌ مِنْ الصِّفَاتِ لَا تَكُونُ إلَّا بِفِعْلِ مِنْ الْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِالْمُتَكَلِّمِ؛ فَلَوْ تَكَلَّمَ الرَّبُّ لَقَامَتْ بِهِ الصِّفَاتُ وَالْأَفْعَالُ وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ. قَالُوا: لِأَنَّا إنَّمَا اسْتَدْلَلْنَا عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ بِحُدُوثِ الْأَجْسَامِ وَاسْتَدْلَلْنَا عَلَى حُدُوثِهَا بِمَا قَامَ بِهَا مِنْ الْأَعْرَاضِ الَّتِي هِيَ الصِّفَاتُ وَالْأَفْعَالُ؛ فَلَوْ قَامَ بِالرَّبِّ الصِّفَاتُ وَالْأَفْعَالُ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُحْدَثًا وَبَطَلَ الدَّلِيلُ الَّذِي اسْتَدْلَلْنَا بِهِ عَلَى"حُدُوثِ الْعَالَمِ وَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ".