الثانية عشر استدل به الشافعي والجمهور على أن الماء المستعمل مسلوب الطهورية فلا يتطهر به مرة أخرى ولولا أن الاغتسال فيه يخرجه عن كونه يغتسل به مرة أخرى لما نهى عنه وهذا الاستدلال إنما يجعل على القول بأن قوله ثم يغتسل مجزوم على النهي فإن قيل ولو جعلناه نهيا فإنما النهي بعد تقدم البول فيه فلا يلزم النهي عن الاغتسال فيه من غير تقدم بول قلنا أما على رواية الأصل فنعم
وأما على رواية أبي داود ولا يغتسل فيه من الجنابة فهو نهي عن الاغتسال فيه على الانفراد وأصرح من ذلك رواية مسلم المتقدمة لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب ولم يذكره بعد النهي عن البول والله أعلم
الثالثة عشر النهي عن الاغتسال في الماء الراكد ليس على إطلاقه اتفاقا فإن الماء المستبحر الكثير كالبحر الملح لا يتناوله النهي اتفاقا وكذلك ما هو أكثر من القلتين عند الشافعي ومن وافقه فهو مخصوص بحديث القلتين كما ذكرنا في النجاسة لكنه يكره الاغتسال فيه
وإن كان كثيرا فقد نص عليه الشافعي رحمه الله في البويطي فقال فيه وسواء قليل الراكد وكثيره أكره الاغتسال فيه قال النووي وكذا صرح أصحابنا وغيرهم بمعناه قال وهذا كله على كراهة التنزيه لا التحريم
الرابعة عشر إذا تقرر أن البول أو الاغتسال في الماء الراكد ليس على عمومه فيفترق الحكم فيه بسبب قلته وكثرته قال المهلب بن أبي صفرة النهي عن البول في الماء الراكد مردود إلى الأصول فإن كان الماء كثيرا فالنهي عن ذلك على وجه التنزه وإن كان قليلا فالنهي على الوجوب وقال النووي وهذا النهي في بعض المياه للتحريم وفي بعضها للكراهة ويؤخذ ذلك من حكم المسألة فإن كان الماء كثيرا جاريا لم يحرم البول فيه لمفهوم الحديث ولكن الأولى اجتنابه
وإن كان قليلا جاريا فقد قال جماعة من أصحابنا يكره والمختار أنه يحرم لأنه يقدره وتنجسه على المشهور من مذهب الشافعي وغيره ويغر غيره فيستعمله مع أنه نجس وإن كان الماء كثيرا راكدا فقال أصحابنا يكره ولا يحرم ولو قيل يحرم لم يكن بعيدا فإن النهي يقتضي التحريم على المختار عند المحققين والأكثرين من أهل الأصول
وفيه من المعنى أنه يقدره وربما أدى إلى تنجيسه بالإجماع لتغيره أو إلى تنجيسه عند أبي حنيفة ومن وافقه في أن الغدير الذي يتحرك طرفه بتحريك الطرف الآخر ينجس بوقوع نجاسة فيه
وأما الراكد القليل فقد أطلق جماعة من أصحابنا أنه مكروه والصواب المختار أنه يحرم البول فيه لأنه ينجسه ويتلف مائيته ويغر غيره باستعماله والله أعلم
قال وإذا اغتسل فيه من الجنابة فهل يصير مستعملا فيه تفصيل معروف عند أصحابنا وهو أنه إن كان الماء قلتين فصاعدا لم يصر مستعملا وأما إذا كان دون القلتين فإن انغمس فيه الجنب بغير نية ثم لما صار تحت الماء نوى