الثامنة عشر قال ابن دقيق العيد اعلم أن هذا الحديث لا بد من إخراجه عن ظاهره بالتخصيص أو التقييد لأن الاتفاق واقع على أن الماء المستبحر الكثير جدا لا تؤثر فيه النجاسة والاتفاق واقع على أن الماء إذا غيرته النجاسة امتنع استعماله فمالك رحمه الله إذا حمل النهي على الكراهة لاعتقاده أن الماء لا ينجس إلا بالتغير لا بد أن يخرج صورة التغير بالنجاسة أعني عن الحكم بالكراهة فإن الحكم ثم التحريم
فإذا لا بد من الخروج عن الظاهر عند الكل
التاسعة عشر قال ابن بطال ولم يأخذ أحد من الفقهاء بظاهر هذا الحديث إلا رجل ينسب إلى العلم وليس من أهله يقال له داود بن علي فقال من بال في الماء الدائم فقد حرم عليه الوضوء به قليلا كان أو كثيرا قال فإن بال في إناء وصبه في الماء الدائم كان له الوضوء به لأنه إنما نهي عن البول فيه فقط بزعمه وصبه للبول من الإناء ليس ببول فيه فلم ينه عنه
فلو بال خارجا عن الماء الدائم فسال فيه جاز أن يتوضأ به قال ويجوز لغيره أي لغير البائل أن يتوضأ فيما بال فيه غيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى البائل ولم ينه غيره وقال ما هو أشنع من هذا إنه إذا تغوط في الماء الدائم كان له ولغيره أن يتوضأ به لأن النهي إنما جاء في البول فقط ولم ينه عن الغائط قال وهذا غاية في السقوط وإبطال المعقول إلى أن قال ويقال له خبرنا عن البائل في البحر أو الحوض الكبير أو الغدير الواسع هل يجوز له أن يتوضأ منه فإن قال لا قال ما نعرف أن الحق في خلافه وإن أجاز ذلك قيل له قد تركت ظاهر الحديث وفي ضرورتك إلى ترك ظاهره ما يوجب عليك أن تقول إن معنى الحديث ما ذكرناه من تحريم الوضوء بالماء النجس وتأديبهم بأن يتنزهوا عن البول في الماء الذي لا يجري فيحتاجون على الوضوء منه إلى آخر كلامه
وما ذهب إليه داود قاله أيضا ابن حزم وصرح بأنه لا فرق في ذلك بين أن يقل الماء أو يكثر قال صاحب المفهم ومن التزم هذه الفضائح وجمد هذا الجمود فحقيق أن لا يعد من العلماء بل ولا في الوجود قال وقد أحسن القاضي أبو بكر حيث قال إن أهل الظاهر ليسوا من العلماء ولا من الفقهاء فلا يعتد بخلافهم بل هم من جملة العوام وعلى هذا جل الفقهاء والأصوليين ومن اعتد بخلافهم إنما ذلك لأن من مذهبه أنه يعتبر خلاف العوام فلا ينعقد الإجماع مع وجود خلافهم
والحق أنه لا يعتبر إلا خلاف من له أهلية النظر والاجتهاد على ما يذكر في الأصول وقال النووي إن هذا من أقبح ما نقل عن داود في الجمود على الظاهر وقال ابن دقيق العيد إنه يعلم بطلانه قطعا والعلم القطعي حاصل ببطلان قولهم لاستواء الأمرين في الحصول في الماء وأن المقصود اجتناب ما وقعت فيه النجاسة من الماء
قال وليس هذا من محال الظنون بل هو مقطوع به