من يقول إن الواحد إذا ادعى شيئا كان في مجلس جماعة لا يمكن أن ينفرد بعلمه دون أهل المجلس لم يقبل حتى يبايعه غيره عليه كما قاله بعض المالكية مستدلين بقصة ذي اليدين وذلك لأنه لم يصح من رواية أحد عن عمر إلا علقمة مع كونه حدث به على المنبر كما ثبت في الصحيح بمحضر من الناس وانفرد علقمة بنقله مع كونه من قواعد الدين بل قد ذكر ابن بطال أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب به حين وصل إلى دار الهجرة وشهر الإسلام فإن ثبت ذلك فقد سمعه جمع من الصحابة ولم يروه عنه غير عمر من وجه يصح كما تقدم
وقد أجمع المسلمون على صحته فلو اشترط متابعة الراوي لما حضره غيره ولم يقبل انفراده به لما قبلوه والله تعالى أعلم وإنما استفهم النبي صلى الله عليه وسلم في قصة ذي اليدين لأنه أخبره بخلاف ما كان في ظنه فاحتاج إلى أن يسأل عنه وليس في حديث عمر هذا مخالفة لما رواه غيره من الصحابة فوجب المصير إليه
التاسعة والخمسون فيه أنه لا بأس للخطيب أن يورد أحاديث في أثناء الخطبة وهو كذلك فقد فعله الخلفاء الراشدون أبو بكر وعثمان وعلي أيضا وهو مشهور معروف
الفائدة الستون ذكر القاضي أبو بكر بن العربي حكاية عن علمائهم أن النية هي المرادة من قوله صلى الله عليه وسلم لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه قال لأن الذكر مضاد للنسيان والنسيان والذكر إنما يتضادان بالمحل الواحد ومحل النسيان القلب فمحل الذكر إذا القلب وذكر القلب هو النية وذكر أن هذا الحديث ضعيف وحكى قول أحمد لا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا انتهى
وما حكاه عن علمائهم قد رواه أبو داود في سننه عن ربيعة شيخ مالك أنه الذي يتوضأ ويغتسل ولا ينوي وضوءا للصلاة ولا غسلا للجنابة وحكاه الخطابي أيضا عن جماعة من العلماء وفيه نظر فإن في بعض طرقه عند الدارقطني من حديث أبي هريرة من توضأ وذكر اسم الله عليه تطهر جسده كله ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه لم يتطهر إلا موضع الوضوء فلو كان المراد بذكر اسم الله النية لم يتطهر مع عدمها شيء لا مواضع الوضوء ولا غيرها
وقد يقال ينبني على أن الحدث يحل جميع الجسد أو أعضاء الوضوء فقط فإن قلنا يحل جميع الجسد لم تحصل الطهارة حيث لم يذكر اسم الله وإن قلنا تحل أعضاء الوضوء فقط حصل ذلك لتطهر أعضاء الوضوء وقول ابن العربي إن الذكر مضاد النسيان إلى آخره إنما ذلك في ذكر القلب فأما ذكر اللسان فلا يضاده النسيان بل يضاده ترك الذكر وإن كان ذاكرا بقلبه والله تعالى أعلم وقوله إن الحديث ضعيف قد صححه الحاكم من حديث أبي هريرة وفيه نظر