السادسة والأربعون قد يقال إن ظاهر هذه الرواية أنه لو اشترى عددا من الإبل أو الغنم أو غيرها فوجد الكل مصرا واختار الرد رد عن المجموع صاعا من تمر سواء أكان المبيع اثنين أو ثلاثة أو أكثر لأنه عليه الصلاة والسلام بعد أن نهى عن تصرية الإبل والغنم ذكر أن من اشتراها وسخطها رد معها صاعا من تمر
وظاهره رد الصاع مع الإبل أو الغنم لكن في الرواية الأخرى من اشترى شاة مصراة فرتب هذا الحكم على الشاة الواحدة وقد اختلف المالكية في ذلك فقال بعضهم يرد عن كل واحدة صاعا من تمر
وقال بعضهم بل يرد الصاع عن جميعها تعبدا لأنه ليس بثمن للبن ولا قيمة ونقل ابن عبد البر الأول عن الأكثر من أصحابهم وغيرهم والثاني عمن استعمل ظواهر الآثار وبه قال ابن حزم الظاهري ونقل ابن بطال الثاني عن عامة الفقهاء والأول عن بعض المتأخرين قال والذي عليه الجماعة أولى بدليل هذا الحديث
ونقل ابن قدامة الأول عن مذهبهم وعن الشافعي وقال السبكي لم أقف لأصحابنا على نقل في ذلك
السابعة والأربعون الحديث إنما ورد فيما إذا ردها بسبب التصرية فلو ردها بسبب آخر وهذا يتناول صورتين إحداهما أن تكون مصراة ورضي بإمساكها كذلك ثم اطلع بها على عيب قديم فنص الشافعي على أنه يردها ويرد بدل اللبن صاعا من تمر وهو المذهب عند أصحابه
الثانية أن لا تكون مصراة فيحلب لبنها ثم يردها بعيب
فقال البغوي في التهذيب يرد بدل اللبن صاعا كالمصراة وحكى الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي أنه لا يرد بدل اللبن لأنه قليل غير معتنى بجمعه بخلاف المصراة ورأى إمام الحرمين تخريج ذلك على أن اللبن هل يأخذ قسطا من الثمن أم لا فإن قلنا يأخذ وهو الأصح رد بدله وإلا فلا وقد يقال إن الحديث يدل على رد الصاع في الصورة الأولى لأنها مصراة وقد سخطها لكنه لم يسخطها لأجل التصرية بل لسبب آخر
وأما الصورة الثانية فلم يتناولها الحديث والقياس في مثل هذا بعيد وفي كتاب ابن الحاجب المالكي فلو رد بعيب غيره ففي الصاع قولان فيحتمل أن يريد الصورة الأولى أوالثانية أو هما معا وكذا عبارة ابن حزم الظاهري فإن ردها بعيب غير التصرية لم يلزمه رد التمر ولا شيء غير اللبن الذي كان في ضرعها إذا اشتراها
الثامنة والأربعون اعتل الحنفية ومن وافقهم في مخالفة هذا الحديث بأمرين أحدهما أنه منسوخ واختلف في ناسخه فقيل هو قوله تعالى وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به وجوابه أن ضمان المتلفات ليس من باب العقوبات وأن شرط النسخ معرفة التاريخ وليس عندنا يقين بأن هذه الآية متأخرة عن حديث المصراة وبتقدير أن يكونا من باب واحد ويعرف التاريخ فالآية عامة وهذه قضية خاصة والخاص مقدم على العام وقيل إن الناسخ له ما نسخ العقوبات في الغرامات بأكثر من المثل في مانع الزكاة لأنها تؤخذ منه مع