العاشرة ذكر العلماء في معنى قوله عليه الصلاة والسلام عن الله تعالى الصيام لي وأنا أجزي به مع كون العبادات كلها له وهو الذي يجزي بها أقوالا أحدها أن ذلك لأن الصوم لا يمكن فيه الرياء كما يمكن في غيره من الأعمال لأنه كف وإمساك وحال الممسك شبعا أو فاقة كحال الممسك تقربا وإنما القصد وما يبطنه القلب هو المؤثر في ذلك والصلاة والحج والزكاة أعمال بدنية ظاهرة يمكن فيها الرياء والسمعة فلذلك خص الصوم بما ذكره دونها قاله المازري
ثانيها قال القاضي عياض بعد حكايته ما تقدم عن المازري وقال أبو عبيد معناه أنا أتولى جزاءه إذ لا يظهر فتكتبه الحفظة إذ ليس من أعمال الجوارح الظاهرة وإنما هو نية وإمساك فأنا أجازي به من التضعيف في جزائه على ما أحب انتهى وأول كلامه يشير إلى ما تقدم عن المازري وآخره يشير إلى جواب آخر وهو أن التضعيف في جزائه غير مقدر وقد حكاه القاضي بعد ذلك فقال وقيل لي أي المنفرد يعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته كما قال وأنا أجزي به قال وغيره من الحسنات اطلعت على مقادير أجورها كما قال كل حسنة بعشر أمثالها
الحديث والصوم موكول إلى سعة جوده وغيب علمه كما قال تعالى إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب قلت وهذه الرواية التي نتكلم عليها صريحة في مساعدة هذا الجواب فإنه استثنى فيها الصيام من التضعيف فقال كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به واعترض أبو العباس القرطبي على هذا الجواب بأن في الحديث أن صوم اليوم بعشرة وأن صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر قال وهذه نصوص في إظهار التضعيف فضعف هذا الوجه بل بطل
ثالثها قال القاضي أيضا قال الخطابي قوله لي أي ليس للصائم فيه حظ قلت ويؤيد ذلك قوله في رواية أبي صالح عن أبي هريرة كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به وقد تقدم ذكرها فاستثنى الصيام من كون عمل ابن آدم له
رابعها قال للقاضي أيضا وقيل إن الاستغناء عن الطعام من صفات الله تعالى فكأنه يتقرب إلى الله بما يتعلق بشبه صفة من صفاته وإن كان تعالى لا شبه له في صفاته
خامسها ذكر بعضهم في معنى إضافته إلى الله تعالى أن الصائم على صفة ملائكة الله تعالى في ترك الطعام والشراب والشهوات
سادسها أن في إضافة الصيام إلى الله تعالى تخصيصه وتشريفه كما يقال بيت الله وناقة الله ومسجد الله وجميع المخلوقات لله تعالى حكاه القاضي أيضا
سابعها قيل سبب إضافته إليه أنه لم يعبد به أحد سواه فلم تعظم الكفار في عصر من الأعصار معبودا لهم بالصيام وإن كانوا يعظمونه بصورة الصلاة والسجود والصدقة والذكر وغير ذلك
حكاه النووي في شرح مسلم قال