وجودها وفي ظل سيادة الفوضى العارمة على الموقف ستتسبب في إحداث حالة من الشلل العام في منظومة التعاون العربي وفي قدرة كل نظام عربي على تقديم المساعدة لنظام آخر وهذا الجمود الناتج عن سقوط بعض الأنظمة وتداعي بعضها الآخر هو تدمير حقيقي لأعمدة نظام سايس وبيكو! لأن هذه الفوضى العارمة ستخضع خارطة العالم العربي لتعديلات جديدة على موازين القوى السياسية والعسكرية وستخلق مساحات خالية من السيطرة المركزية وستجلب تحالفات جديدة للمنطقة وستحيي بنفس الوقت الولاء للقبيلة والطائفة والعرق، وهذا ما سيجعل الحركة داخل المنطقة العربية لا تخضع للحدود المتعارف عليها والتي صنعت على عين سايس وبيكو بتلك المقاييس التي راعت صغر حجم بعض الدول كالبحرين ولبنان حتى تلتزم بالولاء للدولة الراعية مقابل الحماية من تسلط المحيط الأكبر منها وكبر حجم دولا أخرى حتى تلعب دورا إقليميا في إدارة المنطقة بالنيابة، وبما أننا نتحدث عن سقوط وشيك لنظام سايس وبيكو في المرحلة القادمة فهذا يعني أن أحد جناحي منظومة الأنظمة الراعية والعميلة سيتم تجاوزه وبقي أن ننظر في موقف الجناح المتبقي .. هل هو بنفس القوة التي كانت تخوله من إلغاء مشاريع إعادة الخلافة كما في السابق أم أن هناك شيئا ما قد تغيير؟
الحقيقة أني أكتب هذه الكلمات في الوقت الذي يتناطح فيه الكونجرس مع الإدارة الأمريكية لرفع سقف الدين الأمريكي وتفادي إعلان الولايات المتحدة الأمريكية إفلاسها والحقيقة أني قد أجد من يجادل في أن أمريكا قد تتعرض للإنهيار الكامل في إتحادها الفيدرالي ولكني لا أجد من بين خبراء السياسة والاقتصاد المعتبرين من يجادل في أن أمريكا ستترك دفة قيادة العالم وستنكمش على نفسها من وراء المحيط كما فعلت في أعقاب الحرب العالمية الأولى ولكن الفرق في أن سياسة العزلة التي انتهجها الرئيس الأمريكي ويلسون في ذلك الوقت كانت في ظل إتحاد فيدرالي ورأي عام إختار تلك السياسة بعد أهوال الحرب العالمية الأولى ولم يرغم عليها كما هو متوقع الآن! فالحرب التي خاضها تنظيم القاعدة ضد التحالف الصهيوصليبي وزعيمته أمريكا قد تسببت للأخيرة بحالة غير مسبوقة من الإستنزاف الاقتصادي ويكفينا دلالة على ذلك أن الإدارة الأمريكية أعلنت الحرب على الإرهاب - كما تسميه - وكانت ميزانية البنتاغون للسنة التي تلي ذلك الإعلان تعادل جميع ميزانيات وزارات الدفاع في دول العالم مجتمعة ولم تمر عشر سنين على هذه الحرب حتى أصبحت أمريكا نفسها على حافة الإفلاس!! كنتيجة مباشرة لضربات الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من حروب [انظر كتاب: حرب الثلاثة آلاف مليار التكلفة الحقيقية للحرب في أفغانستان والعراق .. تأليف برفوسور ستيغليتيز الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد والباحثة وليندا بيلمس] والمشكلة هنا أن أمريكا لم تترك من خلفها من يستطيع ملأ الفراغ من بعدها بنفس الكفاءة والمقدرة! وعجز بريطانيا وفرنسا عن التعامل مع الحالة الليبية بدون الدعم العسكري الأمريكي خير دليل على ذلك فأمريكا - كانت - قوة غير مسبوقة في قدراتها