فهرس الكتاب

الصفحة 347 من 408

ذكر المستشرق الإنجليزي"ألفرد جيوم"في إحدى كتاباته: أن الشعوب في مصر والشام والعراق وغيرهم استقبلت المسلمين بالترحاب لأنهم خلصوهم من الإبتزاز الإمبراطوري الروماني والفارسي. إنتهى. وقد اختصرت هذه العبارة عاملا من أهم العوامل التي ساعدت على إنجاح حركة الفتوح الإسلامية في الشام وبقية البلدان، فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يفتحون البلدان والقلوب في آن واحد، فإن خسروا الأولى تبقى معهم الثانية، فتلك الشعوب التي لم تتعود إلا الإستعباد والذل والمهانة من الأنظمة التي كانت تسوسها أو من تلك التي تستعبدها بعد الإحتلال انبهرت بالنظام الإسلامي القائم على العدل والرحمة وإعطاء كل ذي حق حقه وإن كان من غير المسلمين ومن هذا ما حدث في الشوط الثاني من فتوحات الشام فعندما حشد هرقل حملته العسكرية الضخمة لاسترداد الشام والتي بلغ قوامها 200 ألف جندي قرر المسلمون الإنسحاب من حمص لقربها من الجيش الروماني فقام المسلمون حينها برد الجزية كاملة لأهل حمص لعدم تمكنهم من حمايتها فتأثر أهل حمص كثيرا وقالوا:"قاتل الله من كان يحكمنا من الرومان والله لو كانوا هم ما ردوا إلينا شيئا، أعادكم الله إلينا سالمين". ثم توالت الإنسحابات بعد ذلك من دمشق إلى الجابية ثم إلى المحطة الأخيرة في"أذرعات"وقد كانت الجيوش الرومانية الجرارة في هذه الآونة تدخل تلك المدن التي تم الإنسحاب منها فتعيث فيها فسادا، وهذا ما جعل أهل تلك الديار يقارنون ما كانوا فيه أيام حكم المسلمين وبين ما عادوا إليه من الظلم والجور، فمع أن قرار الإنسحاب من تلك المدن كان صعباومؤلما على المسلمين إلا أن الذكريات التي تركوها خلفهم كانت كفيلة بتسهيل عودة المسلمين لتلك المدن بعد إلحاق الهزيمة بالحملة الرومانية وهذا ما حدث بعد المعركة الفاصلة في"اليرموك"، فأهالي تلك المدن لم يقدموا أي إسناد يذكر للأرتال الرومانية المنسحبة من اليرموك كما يحصل عادة لمن يمتلك مناطق خلفية موالية، وهذا ما جعل الرومان يكملون الهزيمة إلى خارج الشام وبلا رجعة.

التعليق: مما يذكر في هذه الحادثة التاريخية أن عمليات الإنسحاب التي تمت من حمص ودمشق والجابية لم تكن على رأي كبار القادة كأبي عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد اللذين فضلا البقاء في المدن وعدم التخلي عنها ومع ذلك نزلا على رأي الشورى وقد وافقهما عمر بن الخطاب الرأي عندما وصله خبر الإنسحاب في رسالة وجهها أبو عبيدة إليه فعندما نظر عمر في الرسالة قال (لماذا يتركون أرضا فتحها الله عز وجل عليهم إن هذا يجرئ عدو الله عليهم! ثم قال للرسول: هل رأيتهم اجتمعوا على ذلك؟ فقال: نعم، فقال عمر: أرجو أن يكون الله قد جمعهم على الخير) وهذا الشعور بالإستياء والمرارة من التخلي عن المدن بعد فتحها هو نفس الشعور الذي ساد عند بعض القادة والجند من أنصار الشريعة إلا أن اطمئنان الجميع لبركة الشورى كفيل بمحو تلك المشاعر بإذن الله والذي يهمنا في هذا المقطع التاريخي هو أن نلاحظ الفائدة الإستراتيجية التي ترتبت على فترة الحكم الإسلامي في مدن الشام الذي تم الإنسحاب منها، فهذه التجربة القصيرة شكلت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت