والمقصود أن من سيمتلك القوة على الأرض في هذه الحرب القادمة سيمتلك بقية أنواع القوة الموجودة تبعا لذلك ولذلك يجب أن نوظف طاقاتنا في بناء قوة ضاربة تتولى حماية أهل السنة في الشام وأن نستثمر وجود هذه القوة في جانبنا لممارسة دور إشرافي على السلطات المحلية في كل منطقة دون التدخل والإنشغال بمهام الحكم وواجباته .. فهذه الأخيرة أدت وفي حالات كثيرة إلى تشتيت القوة كما حدث في العراق عندما تداخلت المهام الإدارية في المهام العسكرية وأصبح بعض المجاهدين يجد صعوبة في التوفيق بين العمل الإجتماعي الذي يتطلبه إصلاح شؤون الناس وبين وظيفته الأساسية كمجاهد! وهذا ما يجب أن نتجنبه في حالات مشابهة فسخونة المسرح العراقي تمنع ممارسة الإدارة مع الحرب في آن واحد بعكس المسرح اليمني الذي يسمح بذلك بل ويتطلبه لنجاح أي مشروع ولا يعني ذلك أن ينشغل أنصار الشريعة أيضا بالإدارة على حساب المهام العسكرية بل يستثمر الأول في تطوير وتسويق وتسهيل مهمة الثاني وهذا ما يفعلونه بحمد الله.
لأن المسرح اليمني يتعلق بتحدي من نوع"إثبات الذات"في البرهنة على قدرة الأنصار على تقديم نموذج ناجح في الإدارة والحكم والخدمات في ظل وجود قوى محيطة تسعى لنفس الهدف - حكومة المشترك والحوثيين والحراك الجنوبي - والنجاح في هذا المجال شرط لأي نجاح آخر! أما المسرح العراقي قديما والمسرح الشامي حديثا فهو يتعلق بتحدي من نوع"حماية الذات"لأن بيئة الصراع تحتم القتال دون وجود الطائفة ودون حقوق الطائفة وحتى النهاية أكثر من أي مجال آخر والنجاح في هذه الوظيفة القتالية هو شرط لأي نجاح إداري آخر.
وبمعنى أدق أقول بأن سخونة وطول أمد الحرب المرتقبة في الشام ستجعل المجتمع القروي أو المدني تابعا للقوة العسكرية وخادما لوجودها ومجهودها إن نجحت هذه القوة في تحقيق ثقل عسكري يراهن عليه في حمايتها بعكس الحروب الأقل سخونة وأقصر وقتا التي ما إن تنتهي حتى تبدأ قوى المجتمع المدني في التعبير عن نفسها والمطالبة بالحكم وإرجاع العسكر والمقاتلين إلى ثكناتهم كما حدث في ليبيا!
وهذا التحول الذي سيطرأ على ثقافة الحكم سيكون نتيجة مؤكدة لطبيعة الحرب القادمة التي ستعيد مفهوم الحكم القائم على إمتلاك القوة الخشنة بدلا من القوة الناعمة - النظام الإسلامي يراعي الممازجة بين القوتين ولكنه يظمن إستقلالية أكبر للحاكم من خلال شرط البيعة المعروف"وألا ننازع الأمر أهله"- لأن أي حرب بالمواصفات التي تطرقنا إليها من حيث خطوط التشابك ودرجة العنف ستمنع إعادة تسويق ثقافة الحكم الغربي في الشام كما كان يحدث بعد كل حرب خاصة إن كانت القوى المحسوبة على أهل السنة ذات طابع جهادي أصيل وهو الأمر الذي لم يكن موجودا في الحرب الأهلية اللبنانية فأدى إلى توافق بين مختلف الأطراف المتنازعة في مؤتمر الطائف ولم يكن فاعلا في حرب البلقان فأدى إلى إتفاقية"دايتون"ففي كلا الحالتين إستطاع الغرب النفوذ مرة أخرى إلى الداخل عبر نظام وثقافة الحكم التي تساعده على ذلك -