فهرس الكتاب
إن قلت: الهداية متقدمة على الإيمان، وسبب فيه، فكيف رتبت عليه؟ فالجواب: إما أنه مثل (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى) ، وإما بأن المراد بالإيمان مجرد التصديق، أي ومن يصدق بوجوده الله، يهده إلى التصديق بوحدانيته، لأنهما بابان في علم الكلام، فالتصديق بالوجود غير التصديق بالوحدانية، ولا يقال: إنه يلزم عليه الخلف في الخبر من جهة أن المشركين بالله يصدقون بوجوده؛ لأنا نقول: المراد من يصدق بوجود الله في التصديق وحصول ذلك موجب للتصديق بالوحدانية.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) .
إن قلنا: إن المعدوم لَا يطلق عليه شيء، فيكون تأكيدا؛ لأنه مستفاد من قوله: (بِإِذْنِ اللَّهِ) ، لما تقدم من الإذن يشمل العلم والقدرة والإرادة، فكل حادث الله علمه بالحوادث بين الموجودات.
قوله تعالى: {فَاحْذَرُوهُمْ ... (14) }
الضمير المفعول، إما عائد على (عدوا) ، فيكون الأمر بالحذر فيمن ثبت عداوته، أو عائد على الأزواج والأولاد، فالأمر بالمحاذرة عام في جميعهم، خشية أن يكون الذي وقع الركون إليه عدوا، والآية خطاب بالذات للرجال بالتحذير من زوجاتهم وأولادهم، ويحتمل أن يعم الخطاب الرجال والنساء، فيكون مخصصا من ذلك بالتحذير من أزواجهم وأولادهم.
قوله تعالى: (وَإِنْ تَعْفُوا) .
العفو ترك الحق بعد ثبوته عند الحاكم، والصفح تركه بعد المطالبة به قبل ثبوته عند الحاكم، والمغفرة ترك المطالبة به من أصل، فالعطف ترق ولذلك خصص الأخير بقوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) وفي آية أخرى (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ، فينعقد من الآيتين الشكل الثالث، وذكر الأولاد في العداوة وفي الفتنة، دليل على شكيمتهم أشد من الزوجات، وذكر ابن عطية هنا والزمخشري من بعده؛ لأنه متأخر عنه حديث الله أعلم بصحته عن النبي صلى الله عليه وسلم:"أنه كان يخطب إذ دخل الحسن والحسين رضي الله عنهما عليهما الحمرة، فهبط ورفعهما"إلى آخره.
قوله تعالى: {وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) }