«فإن قيل» : ولم قلت إن الأمر بالصبر يقتضي العلم، وما الصبر من العلم؟
قيل: الصبر على الحقيقة إنما يكون لمن عرف فضيلة مطلوبة، ولهذا قال الخضر لموسى لما علم أن لن يعرف مقصده في فعله قال: {قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا} فدل أن حقيقة تحمل الصبر لابد له من معرفة المقصود به، وقال عليه السلام"أعطيت أمتي ما لم يعط أحد، قال يعقوب عند المصيبة (يا أسفى) وأعطيت أمتي أن يقولوا: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} ."
وقال عليه السلام:"من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلقًا يرضاه"،
وقال عمر في ذلك:"نعم العدلان، ونعم القلادة"، وحقيقة الرجوع إليه تتبين في قوله تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} فهو أدق معنى مما قدره من قال: (إنا راجعون) إلى أن لا يملك أمورنا غيره كما كنا في الابتداء، فجعل ذلك رجوعا لهم.