«إن قيل» : كيف حكم بأنهم لا يتبعون قبلتك وقد آمن منهم فريق؟
قيل: قال بعضهم: إن هذا حكم على الكل دون الأبعاض، وهذا صحيح بدلالة أنك لو قلت: ما آمنوا، ولكن آمن بعضهم لم يكن منافيًا،
وقيل عنى به وأقوام مخصوصون.
وقيل: عنى ما تبعوا قبلتك بقلوبهم، وقوله: (وما أنت بتابع قبلتهم) ، أي لا يكون ذلك منك، فمحال أن من عرف الله حق معرفته يرتد، وقد قيل: ما رجع من يرجع إلا من الطريق، أي:"ما أخل بالإيمان إلا من لم يصل إليه حق الوصول".
«إن قيل» : فقد يوجد من يحصل له معرفة ثم يرتد؟
قيل: إن الذي يقدر أنه معرفة، وهو ظن متصور بصورة العلم، فأما أن يتحصل العلم الحقيقي ثم يعقبه الارتداد فمحال، ولم يعن بهذه المعرفة
ما جعله الله تعالي للإنسان بالفطرة، فإن ذلك كشررة تخمد إذا لم تتوقد، وبين أن بعضهم لا يتبع قبلة البعض، وذلك لارتكابهم الهوى وتأنيهم عن تأمل الهدى، وحذر نبيه عن اتباع أهوائهم، ونبه أن اتباع الهوى بعد التحقق بالعلم يدخل متحريه في جملة الظلمة، وقد أكثر الله تحذيره من الجنوح إلى الهوى حتى كرر ذلك في عدة مواضع، وقول من قال الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمعني به الأمة، فلا معني لتخصصه، فإن الله تعالى يحذر نبيه من اتباع الهوى أكثر مما يحذر غيره المنزلة الرفيعة إلى تحديد الإنذار عليه أحوج حفظًا لمتركته وصيانة لمكانته، وقد قيل: حق المرأة المجلوة أن يكون بعدها أكثر إذا كان القليل من الصدأ عليها أظهر.