إن قيل كيف قال: (من دون الناس) والمخاطبون أيضًا من الناس؟
قيل: قد قال بعضهم لفظه عام، ومعناه خاص، أي دون سائر الناس،
وقال بعضهم في ذلك لطيفة، وهو أنه يقال:"فلانٌ ليس من الناس، وذلك متردد بين المدح والذم، فالمدح نحو قول بعضهم: فلانٌ ليس إنسانًا، بل هو ملك كريم."
وقال الشاعر
فلست بإنسيَّ وَلكنْ لملاك
والذم نحو: فإنَّ جُلهُمُ أوُ كلهُمْ بَقر
ولما كانت الدار الآخرة لا تحصل للناس خالصة، بل لابد في نيلها من تحمل شوائب وتجرع نوائب، وكانوا قد ادعوا أنها لهم خالصة قيل لهم ذلك بمعنى إن كنتم جنسًا غير الناس في أن تحصل لكم الدار الآخرة خالصة على حسب ما تحصل للناس (فتمنوا الموت) ، وإنما قيل لهم (تمنوا الموت) لأنهم قالوا: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا} ، وقالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} ، فبين الله تعالي كذبهم في دعواهم ذلك فقال: إن كنتم أحباء الله، فالمحبة داعية إلى الشوق، والشوق داع إلى محبة لقاء المحبوب، ومحبة لقائه داعية إلي تمني سهول السبيل إليه، ولا سبيل إلى الطريق إليه إلا بالموت، فيجب أن يكون الموت متمنى، فترْكُكُم تمني ذلك دلالة أن لا محبة منكم له ..