قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}
«فإن قيل» : فإذا لم يكن أمرا فما وجهه؟
قيل أخبر الله تعالى أن حكم الله في ذلك أن الوالدات أحق بإرضاع أولادهن سواء كانت في حبالة الزوج أو لم تكن، فإن الإرضاع من خصائص الولادة، لا من خصائص الزوجية، ولهذا قال عليه السلام: في الأمر إنها أحق بالولد ما لم تتزوج، وإنما ذكر (كاملين) لأنه قد يقال:"فلان فعل كذا سنتين"وإن كان ذلك في سنة وبعض الأخرى، وكذا يقال: شهرين ويومين، فأريد إزالة هذه الشبهة، وقال الفقهاء: لما جعل الرضاع حولين وقال في موضع: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} ، نبه على أن الولد قد يولد لستة أشهر، وفيه تنبيه على لطيفة، وهو أن الولد متى كان زمان حمله وفاصله أقل من ثلاثين شهرا أضر ذلك به، فإذا ولد لسبعة أشهر لم يضره أن ينقص رضاعه عن الحولين، وجعل ابن عباس ذلك حكما شرعيًا، وقال: يجب أن يكون الحمل والرضاع هذا القدر، وقوله تعالى: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} أي هذا التوقيت ليس بفرض، لكن لمن أراد إتمام الرضاعة، وفيه تنبيه أنه لا يجوز تجاوز ذلك، وأن لا حكم للرضاع بعد الحولين ويقويه ما روي جابر أنه قال عليه السلام:
"لا رضاع بعد الحولين"وعلى هذا يحمل قوله:"الرضاعة من المجاعة"ويؤكده أن كل حكم في الشرع علق بعدد مخصوص يجوز الإخلال به في أحد الطرفين لم يجز الإخلال به في الطرف الآخر، كخيار الثلث وعدد حجارة الاستنجاء، والمسح على الخفين يومًا وليلة أو ثلاثة أيام، فلما كان الرضاع يجوز الإخلال به في أحد الطرفين، وهو النقصان لم تجز مجاوزته.