قوله: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} ، كقوله: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ} ، وقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ}
«إن قيل» : هذه الآيات تقتضي أن يكون الإنسان مؤاخذا بما تتحرك به الخواطر، وقول النبي - عليه الصلاة والسلام ينافيه في الظاهر"إن الله تجاوز عن أمتي عما حدثت به أنفسها"
وكذلك قوله:"من همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشر أمثالها، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه"؟
قيل: قد تقدم إن أول ما يعرض من حديث النفس السابح ثم الخاطر، ثم الإرادة والهم، ثم العزم وأن السابح والخاطر متجافي عنهما بكل وجه وأنه متى صار نية فذلك عمل مأخوذ به، وعلى هذا قال تعالى: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} ، والهمَّة متى كانت من وسوسة الشيطان وتصدي الإنسان لدفعها وقمعها فهو المتجافي عنها بل هو الموعود بالإثابة على دفاعها، حيث قال عليه الصلاة والسلام:"جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم".
ومتى كانت نفس وإجماع من النفس، فذلك فعل منه، ولذلك قال بعض الصالحين:"عليكم بحفظ الهمَّة، فإنها أول ما تظهر من الإنسان وهي تقدمة الأشياء".
وقال عليه الصلاة والسلام:"لينظر أحدكم ما يتمنى، فإنه لا يدري ما كتب له".
ومن تصور هذه الجملة علم أن قول من قال هذه الآية منسوخة بقوله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} وجعل علة النسخ أن حديث النفس وما يهجس فيها غير مقدور على صرفه، فإنما استعمل لفظ النسخ في معنى التخصيص، فأما أنه أمر بما لا يقدر عليه ثم نسخ فمحال، وعلى هذا ما روي أنه قيل لابن عباس إن ابن عمر يبكي لقوله: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} فقال ابن عباس:"رحم الله ابن عمر، لقد وجد المسلمون منها ما وجدوا"حتى نزل {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ، فإنه عنى أن هذه الآية مخصصة ومبينة للأولى، ونبه بقوله: {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ} على سعة قدرته وعدله وفضله، ثم من الذي يغفر له والذي لا يغفر له لا يعقل من ظاهر الآية.