قوله تعالى: (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ(20) .
«إن قيل» : كيف يصحُّ الاقتصار في المحاجّة على أن يقول: تقبل ما أقوله أم تردّه، فإن رددتَه أعرضت عنك؟
قيل: المحاجّة ضربان: ضرب للاستهداء وضربٌ للعناد.
ولما كان الله قد بيَّن لهم الأدلة، وبين أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.
قال حينئذٍ: إن عاندوك فعرفهم مخالفتك لهم.
وهذا كما يقال لمن أوضحت له الحجة: إن قبلتَ وإلا أعرضنا عنك.
وقال بعضهم: إنما نبَّه بهذه الآية على الحجةِ اللازمة لهم.
ووجه ذلك أنه قال: قل لهم: إني توجهت إلى الله بعبادة
فهل تُنكرون كونه معبودًا، فإنه لا يمكنهم إنكار ذلك إذ كان وجوب عبادته والتوحّد له محمودًا عند الكلِّ، وإنما اختلافهم في غيره، فبَيِّنْ أنهم إن أسلموا للحجة فقد اهتدوا، فإن
حجتَك لازمة - وليس لهم ما يدعونه حجة، وفي ذلك اهتداؤهم.
(وَإِنْ تَوَلَّوْا) أي إن أبوا أن ينقادوا للحجة فليس عليك إلا البلاغ.
كقولك: ليس عليك هداهم ونحوه.
وقدَّم الذين أوتوا الكتاب، لأن الحجة تلزمهم من وجهين:
من الوجه الذي يلزم الأميين، ومن وجه أنهم يدَّعون الإِيمانَ بإبراهيم وغيره.
وعلى هذا قال إبراهيم: (يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا).