قوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ...(48)
«إن قيل» : ما الفرق بين الشرعة والمنهاج؟
قيل: قال بعضهم: الشرعة إشارة إلى الدين وهو الشرع، والمنهاج: إشارة إلى الدليل الذي يتوصل إلى معرفته والتخصيص به،
وقد رُوي عن ابن عباس أنه قحال: شرعةً ومنهاجًا: دينًا وسبيلا.
«إن قيل» : كيف قال: (لِكُلٍّ جَعَلنَا مِنكُم شِرْعَةً وَمِنهَاجًا) فاقتضى ذلك أن
لكل واحد من الأنبياء شريعة غير شريعة الآخر، وقال في موضع:
(شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) .
فذكر أنه شرع لجميعهم شريعة واحدة؟
قيل: الذي استوى فيه شريعة جُماعِه هو أصول الإيمان والإسلام، أعني التوحيد والصلاة والزكاة والصوم والقرابين، فإن أصول هذه الأشياء لا ينفَّك منها شرع بوجه، وأما الذي ذكر أنه تفرد به كل واحد من الأنبياء فروع العبادات من كيفياتها وكمياتها، فإن ذلك مشروع على حسب مصالح كل أمة، وعلى مقتضى الحكمة من الأزمنة المختلفة.
ووجه آخر: أن الشرائع إذا عتبرت بالشارع فمقتضى حكمته يصح أن كلها واحدة، وكذا إذا اعتبرت لغرض والقصد الذي هو مصلحة المشروع له وإذا اعتبرت بذوات الأفعال فهي شرائع كثيرة، وعلى هذين النظريتين، قال الله تعالى: (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) ، وقال في موضع آخر: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) .