قوله: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا(97)
«إن قيل» : كيف لم يعذرهم لما اعتذروا بالاستضعاف وقد قال من قبل: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ) ؟
قيل: لأنهم كذبوا في دعواهم، والذين عذرهم هم الذين سلبهم الله القوى والقدرة، أو لم يعطهم ذلك كالصبي.
وقال بعض المحققين: ظلم النفس في الحقيقة هو التقصير في تهذيبها وسياستها المذكورة في قوله: (وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) وذلك أن كل إنسان
سائسُ نفسِه، فمتى لم يوف حق السياسة
فقد ظلمها ظلم الوالي رعيته، قال: وخاطب بذلك من أعطاه
القوة ومكّنه أن يبلغ الدرجات الرفيعة، فرضي لنفسه بأخس
منزلة، وكذبهم فيما ادعوه من استضعافهم تنبيهًا أن من أمكنه
استفادة ما به يقدر فهو في حكم القادر فلا يعذر، ثم استثنى
الأصناف الثلاثة فقال: (فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ)
فذكر لفظ عسى لئلا يركنوا كل الركون، وليكونوا ممن قال
فيهم: (وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ) .
وقوله: (وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا)
أَخَّر ذكر الغفران إذ هو أبلغ، وقد تقدّم أن الوصفين إذا اجتمعا يقدمّ الأعم ويؤخر الأخص، تنبيها
على أن مثل هذه الصفة ليست على وجه المطابقة، واعتبارًا
لحصول المعفو عنه والمغفور له، بل ذلك له على وجه أشرف من
ذلك، والله أعلم.