فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 499

قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا}

«فإن قيل» : كيف قال ذلك والذين أشركوا من الناس؟

قيل: لما كان للمشركين فضل اختصاص في محبة الحياة الدنيا خصهم بالذكر بعد العموم تخصيص جبرائيل وميكائيل بعد ذكر الملائكة، وتخصيص النخل والرمان بعد الفاكهة،

«فإن قيل» : فهلاَّ قال: أحرص الناس والمشركين، أو من أحرص من الناس ومن المشركين ليكون الكلام على نمط واحد؟

قيل: إنما قال كذلك لمعنى اقتضاه، وهو أن أفعل يستعمل على وجهين: أحدهما مضافة إلى جملة هو بعضها نحو: هو أفضل الناس، ومعناه أن فضله زائد على جل المضاف إليه.

والثاني: أن يذكر بـ (مِن) نحو: الإنسان أفضل من الأسد، ويرد أنه زائد على جميع الذكور، ويدلك على صحة هذا أنه إذا قيل:"زيد أفضل الناس"، وعني بالناس العموم لم يكن ذلك محالًا، لأن يقتضي أن يكون أفضل من نفسه أيضًا، إذ هو من الناس أو لا يكون منهم، فحيث ذكر تعالى الناس وأراد أنه زائد على جلهم أصناف، وحيث ذكر المشركين، عنى أنه زائد عليهم كلهم ذكر (مِن) وإنما قال"على حياة"فنكرها، لأن الحياة التي يحرصون عليها هي حياة ما، وهي أحسن حياة"، فكأنها لخستها وقلة وزنها ذكرها منكرة، وإنما الحياة المطلقة هي الحياة الحقيقية التي وصف بها الآخرة في قوله: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} ، فأبان الله تعالي فرط حرصهم على الحياة الدنيا، وأن تمنيهم لها فوق تمني المشركين، إذ غاية تمنيهم للحياة ألف سنة، وبذلك يتداعون، ثم بين تعالى أن بقاءهم ألف سنة لا ينقذهم من عذاب الله إن ما له مدة فقصير، وإن طال، فكما قال الشاعر:"

أرى العمرْ كنْزًا ناقصًا كُلَّ ليلةٍ .... ومَاَ تنقصُ الأيامُ والدهْرُ يُنْقلُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت