قوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133)
«إن قيل» : ما الفرق بين الطول والعرض؟ وهل هما على تقديرك ووضعك كالصعود والحدور، أم هما شيئان مختلفان بالذات؟
وذاك أن الطول والعرض من خواص الجسم، فالطول معتبر بالجانب الذي منه ينشأ وإليه ينشأ، والعرض بالجانبين الآخرين، وذلك متصور في
الحائط والثوب والبيت، وقد يقال ذلك باعتبار الوضع في أشياء
كثيرة، وقد وقع شبهة على من لم يتمهر في المعقولات، ولم
يتجاوز منزل المحسوسات، وقال: إذا كانت الجنة في السماء
الرابعة على ما رُويَ في الخبر فكيف يكون عرضها عرض
السماوات؟
فجاء قوم من اليهود إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إذا كانت الجنة عرضها السماوات والأرض فأين النار؟
فأجابهم - صلى الله عليه وسلم - فقال:"سبحان الله إذا جاء النهار فأين الليل"؟،
وهذه معارضة تقنع العامة بما فيه المقنع، وتطلع الخاصة على ما
نبه عليه بقوله:"ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت"
وقد رُويَ عن ابن عباس: أن لله عوالم، هذا أحدها.
وقال أبو مسلم بن بحر: العرض هاهنا من قولهم: عرضت الشيء
بالشيء في البيع، وذلك قائم مقام المساواة.
والمعنى: لو عرضت الجنة بالسماوات والأرض لكانتا ثمنًا لها، وذلك
يفسده قوله في غير هذه الآية: (كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) .
وقال بعضهم: هو من قولهم: فلان في جاه عريض، وفي سعة
ورحب، وقد يقال للكبير عريض، نحو: (فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) .
والمغفرة أصلها إزالة العقوبة، وإن كان قد يقال لها وللإِعطاء.
ولمّا أمَر تعالى بالاتقاء من النار، والاتقاء منها مقتضٍ للمغفرة، وذلك منزلة التاركين للذنب، أمره في هذه الآية أن لا يقتصر على التقوى من النار، التي هي مقتضية للمغفرة، بل يتجاوز إلى طلب الجنة، فقال: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ) .