«إن قيل» : ما فائدة قوله: {وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} بعد قوله: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} ؟
قيل فيه ثلاثة أقوال:
الأول: أن قوله {وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} حال مؤكدة، لأن تقديره: (ثم توليتم معرضين) ، ذلك على قول من جعلها خطابًا لفريق واحد.
والثاني أن التولي قد يكون لحاجة تدعو إلى الانصراف مع ثبوت العقد، والإعراض هو الانصراف عن الشيء بالقلب.
والثالث: أن التولي والإعراض في دلك مثل مأخوذ من سلوك الطريق، وإذا اعتبرنا حال سالك المنهج في ترك سلوكه، فله حالتان، إحداهما: أن يرجع عوده على بدئه، وذاك هو التولي، والثانية: أن يترك النهج ويأخذ في
عرض الطريق متخطيًا، وذلك هو الإعراض والمتولي أقرب أمرا من المعرض، ولأنه متى ندم على رجوعه سهل عليه العودة إلى سلوك المنهج، وأخذ في عرض المفازة إلى طلب منهجه، فيعسر عليه العود إليه، فمتى جعل الخطابان لفريق واحد، فذلك غاية الذم، فإنهم جمعوا بين العود عن السلوك والإعراض عن المسلك، ومتى جعل (توليتم) للسلف، وأنتم معرضون للخلف، فتنبيه أنكم شر من أسلافكم، فقد كان منهم التولي، ومنكم الإعراض، والآية منطوية على عامة الأحكام الاعتقادية والعلمية والآداب الشرعية ومكارم الأخلاق، وفيها ذم لبني إسرائيل أن مع أخذ الميثاق منهم بذلك لم يكن من أكثرهم الوفاء به.