«فإن قيل» : أليس مَن سفرُه طاعة؟ إنما أحل له للاضطرار لا للطاعة؟ فإذن العلة [[لمدير] ] الضرورة، فيجب أن تكون مطردة؟
قيل: بل العلة هي الضرورة مع حصول الطاعة، فقد قال الحكماء وهو الصحيح: إن الله تعالى جعل للإنسان طيبات الرزق بشرط الإيمان، ولهذا قال: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} فما أخذه الكفار من نعيم الدنيا، فإنما يأخذه اغتصابًا في الحقيقة، ولذلك قد تستقيم أحوالهم، والآية تقتضي أن المضطر مخير في تناول أيها يريد، وهو
الصحيح، لأن عليه إنقاذ روحه بجهده، فما رآه أقرب إلى إبقائه، فهو أولى بتناوله، واختلف إذا اضطر إلى شيء من ذلك في دواء لا يسد غيره مسده، هل يجوز تناوله؟
والصحيح أنه يجوز للعلة التي لها أجيز تناوله للجوع، وكذا الخمر إذا اضطر إليها في دواء بحكم الأطباء أنه لا يسد غيره مسده، وأنه يفوت روحه إن لم يتناولها، قوله عليه السلام - (إن الله - عز وجل - لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم) فمعناه: إن قدر ما فيه الشفاء غير محرم عليه، وعلى هذا نبه بالرخصة في شرب أبوال الإبل.