فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 499

قراءة في (تفسير الراغب الأصفهاني)

بتحقيق د. عادل بن علي الشدي

عبدالله الشمراني

(القرآن الكريم) هو المصدر الأول للتشريع الإسلامي، وهو المعجزة الخالدة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد اهتم به علماء الأمة من لدن الصحابة رضي الله عنهم، فالتابعين رحمهم الله، فمن بعدهم إلى يومنا هذا، فعنوا ببيان غريبه، وشرح كلماته، وتوضيح أحكامه.

وشارك في هذا التأليف العلماء على اختلاف مدارسهم، ومناهجهم، ك: الفقهاء، والمحدثين، واللغويين، والنحويين، والبلاغيين ... فأخرجوا لنا كتبًا في إعراب القرآن، وكتبًا في بلاغته، وكتبًا في قراءاته، وأخرى في أحكامه الفقهيَّة.

والأكثر في هذا الباب هي الكتب التي عنت بتفسيره من خلال الوجوه السابقة مجتمعة، وهي المسمَّاة ب: (كتب التفسير) .

ومن خلال النظر في كتب التفسير نجد أن كل كتاب اختص بشيء، ميزه عن غيره، وأبدع فيه، فهذا اهتم بسرد ما ورد في الآية من الأحاديث والآثار، وأقوال السلف، وذاك اهتم بإعرابه، وثالث اهتم بأحكام الفقهية الواردة فيه، وآخر كتبه لينصر فيه مذهبه الذي يتبعه، ويدعو إليه، ... الخ.

ومن جملة التفاسير المشهورة: (تفسير الراغب الأصفهاني) ، وعند النظر إليه نجده اختص بكل ما ذكر أعلاه فكان - بحق - تفسيرًا موسوعيًا نال إعجاب من اطلع عليه.

ولك أن تعجب أخي القارئ إذا قلت لك: أن هذا التفسير على أنه من التفاسير المشهورة، إلا أنه من التفاسير المغمورة!!.

ولا تناقض في هذه العبارة، فهو (تفسير) مشهور عند العلماء قديمًا، ولكنه مغمور عند كثير من طلاب العلم في عصرنا، وعدم الاهتمام بطبعه ونشره، ناتج عن قلة درايتهم بهذا التفسير، وما فيه، مما يميزه .. أضف إلى ذلك أنه لم يكمل، بل وجد ناقصًا.

وقد امتاز هذا التفسير بأمور منها:

1 -إكثاره من النقل عن أئمة اللغة .. ولهذا النقل أهميته، إذا علمنا أن المصنف متبحر في علوم البلاغة، والنحو، والاشتقاق، والمعاني. كيف؟! وهو صاحب (المفردات) .

2 -إكثاره من النقل عن المفسرين الذين تعتبر كتبهم في حكم المفقود، مما يجعل هذا التفسير مصدرًا هامًا، بل ووحيدًا لبعض الآراء.

3 -احتواء هذا التفسير على جملة من الفوائد، والنكت، واللطائف التفسيرية التي لا تكاد توجد عند غيره.

ومن هنا تأتي أهمية هذا التفسير، وضرورة إخراجه إلى النور، ولاسيما إذا عرفنا أن مصنفه الإمام: أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل، الشهير ب (الراغب الأصفهاني) ، المتوفى قبل منتصف القرن الخامسة الهجري.

لقد ظل هذا الكتاب قرونًا مدفونًا في مقبرة المخطوطات، حتى أراد الله أن يمن على أحد طلبة العلم فيخرجه للأمة بحلة علمية رائعة، فكان تحقيق الدكتور عادل بن علي الشدي- وفقه الله-، حيث امتاز تحقيقه بأمور:

أولًا: لقد شحت المصادر في إعطاء ترجمة وافية ل (الراغب الأصفهاني) ، متناسبة مع قدره العلمي، فلا تجد فيها حديثًا عن نشأته العلمية، ولا عن شيوخه، ولا عن تلاميذه، وتجد في تاريخ وفاته اضطرابًا كبيرًا.

إن المترجم (بكسر الجيم) لحياة (الراغب) ، سيجد غموضًا كبيرًا، لا يتناسب مع عالم موسوعي ك (الراغب) .

ومع هذه المصاعب إلا أن فضيلة المحقق استطاع - بجدارة - ومن خلال رجوعه إلى شعرات المراجع التوصل إلى ترجمة تعد مفصلة، وجيدة مقارنة بما كتب عنه في كتب التراجم، وقد توسع المحقق - وفقه الله - في مباحث مهمة في ترجمته، وأطال النفس فيها، لاسيما مبحثين مهمين، وهما: تجاهل المؤرخين ل (الراغب) وحياته، والغموض في تاريخ وفاته.

ثانيًا: أسهب فضيلة المحقق عند حديثه عن مصنفات (الراغب) ، متحدثًا عند كل كتاب عن نسخه الخطية، وطبعاته، وتاريخها.

ثالثًا: خصص فضيلة المحقق فصلًا كاملًا لدراسة (تفسير الراغب) وعن أهميته، ومصادره، ومنهجه، ثم قام بدراسة تحليلية قارن فيها (تفسير الراغب) ، بكتب التفاسير المشابهة له .. وحيث إن (تفسير الراغب) لم يخل من بعض الهنات، فقد تصدى لها المحقق في قسم الدراسة، وفي قسم التحقيق.

هذا عن قسم الدراسة.

أما عن قسم التحقيق، - وهو رابعًا:

فإن القلم ليعجز عن تصوير الجهد المبذول في خدمة النص، وإثرائه بالتعليق، والتوثيق، والتعقيب، وحيث إن (الراغب الأصفهاني) ، موسوعي؛ فستجد في هوامش قسم التحقيق مناقشات عقدية، وأخرى لغوية، وثالثة قراءات، ورابعة فقهية .. وهكذا مما يتطلب جهدًا ليس باليسير في تحقيق هذا النص، وتوثيقه، والتعليق عليه، يعلم ذلك كل من جرب العمل على الأعمال الموسوعية المشابهة.

إن المتأمل لتحقيق فضيلة الدكتور عادل الشدي وفقه الله ل (تفسير الراغب) يعلم مبلغ الجهد المبذول لإخراج هذه النسخة على أفضل صورة، ولعلي لا أكون مبالغًا إذا قلت: إن المقدمة التي قدم بها عمله، حقيقة بأن تفرد بعنوان: (الراغب الأصفهاني، حياته وآثاره، ومنهجه في التفسير، فهي مرجع في هذا الباب .. أما عمله على النص تحقيقًا، ودراسة، فحري بأن يوسم ب(شرح تفسير الراغب) .

بقي أن أقول قبل الختام:

إن (تفسير الراغب الأصفهاني) لم يوجد كاملًا، بل وجد منه من أوله إلى نهاية سورة المائدة .. وقد قام بتحقيق قسم منه أحد الباحثين في إحدى الجامعات ب (تونس) ، وقسم آخر لدى إحدى الباحثات بجامعة (أم القرى) ، ولم تتم عملها بعد، والقسم الثالث لدى الدكتور عادل الشدي.

وقد حرصت أثناء كتابة هذه القراءاة على أن أحصل على الجزء الذي قام بتحقيقه الباحث الأول، ووقفت على عمله، فما رأيته وفَّى المصنِّفَ (بكسر النون) حقَّه من الترجمة، ولا وفَّى المصنَّف (بفتح النون) حقَّه من الدراسة والتعليق.

وليت الدكتور عادل - وفقه الله - يجمع عدته لخوض بحر (العماد) مرة أخرى، ليقوم بتحقيق القسم الأول، وبالنفس نفسه الذي رأيناه في قسمه، ولا أظن أن العمل بالنسبة إليه شاق، فقد خاض هذا البحر من قبل .. وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت