إن قيل إن كان إبراهيم في هذه الحال شاكا في البعث فلم لما قيل له {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى} ، والشاك في الشيء لا يجوز أن يكون مؤمنا به، وإن كان موقنا فلا معنى لقوله: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} فلا اضطراب للقلب مع اليقين، فإذا هذا قول متناقض؟
قيل: إن إبراهيم كان موقنا بالبعث أنه كائن للاستدلال أولًا، وللوحي ثانيًا.
وإنما التمس غاية التفسير وهو العيان الذي تنقطع عنده الخواطر كلها، فالخاطر ضربان، خاطر في ثبوت الشيء ونفيه، وخاطر في كيفية ثبوته، والأول يزول بالخبر، والثاني لا يزول إلا بالعيان، وهذا هو حال إبراهيم.
وقيل: اليقين ثلاثة أضرب:
علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين.
فعلم اليقين: ما وصل إلينا على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وعين اليقين: ما وصل إلينا بأنوار هدايته، وحق اليقين: ما اجتمع فيه الأمران، وبه تزول عوارض الخواطر عن جملته وتفاصيله.
وقيل: إن إبراهيم كان طلب ذلك لأن قومه سألوه وذلك كما قيل في سؤال موسى، حيث قال: {أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} .
وقيل: إن نمرود كان ممن يعتمد المحسوس، ولما قال له إبراهيم: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} قال له: أرأيت ذلك بحاستك؟ فعدل إلى غيره من الحجج إذ لم يكن يمكنه أن يدعي عيان ذلك، ثم سأل الله بعد ليريه ليمكنه أن يخبر به.
وقيل: إن إبراهيم أحب أن يريه الله إحياء نفسه معراة من الأصل والزنا والفحش والحرص فبين الله أن ذلك لا سبيل إليه بأدلة الإنسان في هذا العالم، ومخلوق خلقه للتكليف، وأمره أن يأخذ أربعة من الطير، نسرا: إشارة إلى طول الأمل، وطاوسا: إشارة إلى زينة الدنيا، وغرابا: إشارة إلى الفحش النفسي، وديكا: إشارة إلي الحرص، وقال: قطعهن ووزعهن على جبال، ثم صرهن، فقد عادت إليك إشارة إلى أن هذه القوى وإن اجتهدت في إفنائها، فلا سبيل إلى إزالتها ما دمت في دار الدنيا.