«إن قيل» : ما فائدة الإِتيان بالمتشابه فِى القرآن؟
قيل: فوائد جمة، منها: أن يبين تشريف العلماء بتميُّزهم عن غيرهم.
ومنها: رياضة العقول في تعرفها.
ومنها: استحقاق الثواب بتعبِ الفكر فيه،
ومنها: إظهارُ شرف الفكر، ليعلم أنه لم يجعل الإِنسان عبثًا،
ومنها: حث من أخبر الله عنهم أنهم قالوا: (لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ) على أن يتدبره، لأنهم إذا سمعوا ما في ظاهره التنافي تأملوه طلبًا لردّه، فيصير ذلك سببًا أن يعرفوه لمعرفتهم بإعجازهم ولزوم الحجة به.
ومنها: أن يصير سببًا لاعتراف الإِنسان بعجزه ومعرفة نقصه.
ومنها: أن يصير الناسُ تبعًا للأنبياء وأُولي الأمر الذين حثّ على اتباعهم لقوله: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) وقوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ)
فذمٌ لهم بأنهم لزيغهم"يتحرّون طلب الفتنة."
وقدّم ذكر الفتنة تنبيها أن قصدهم إلى إيقاع الفتنة قبل طلب تأويله.
وهذا القصد باتفاق أهل العقول كلها مذموم.
«فإن قيل» : هب أن اتباع طلب الفتنة مذموم، فكيف ذُمّوا بابتغاء تأويله؟
قيل: طلب التأويل من نفس المتشابه مذموم؛ إذ لا سبيل إلى تبينه منه، وإنما طلب الحق يجب أن يكون بردة إلى المحكم إلى الرسولِ وإلى أولي الأمر، حسب ما نبه عليه تعالى بقوله: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ) الآية.
وكل له حالتان:
أحدهما: أن يكون تابعًا على طريق التأكيد، فلا يحذف منه ضمير
ما أُكِّد به، نحو: مررت بالقوم كلهم.
والثاني: أن تجعلَه مُخبرًا عنه، فيصح الحذف منه إيجازًا، نحو: (إِنَّا كُلٌّ فِيهَا) ، وفي قوله: (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) على هذا.