فهرس الكتاب

الصفحة 361 من 499

«إن قيل» : على ماذا عطف قوله: (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ) ؟ ولمَ كرّر الابتلاء بعد أن ذكره في قوله: (لِيَبْتَلِيَكُمْ) ؟ ولمَ علّق الأول بالذات كلها، والثاني بما في الصدور؟

وما الفرق بين قوله: ما في الصدور، وبين قوله: ما في القلوب، وخصّ ما في القلوب بالتمحيص؟

قيل: أما ما عطف الابتلاء فعلى قوله: (لِكَيْلَا تَحْزَنُوا) ، وفصل

بينهما بما هو تسديد الكلام وإشباع للمعنى، وهذا جائز، وقد

تقدم الكلام في نحوه، ويجوز أن يتعلق بمضمرٍ دلَّ عليه ما تقدم من قوله: (الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ) .

وأما تكريره وتعليق الأول بالذات والثاني بما في الصدور، فإن لله تعالى

تكليفين: الأحكام والمكارم كما تقدم، والأحكام قبل المكارم.

وجُلُها متعلِّق بالضمائر، وعملُ الجوارح فيها قليل، فحيث

ما أراد منهم الحكم وهو الثبات في الحرب والجد بالجوارح، علّق

الابتلاء بالجملة، وحيث ما قصد المكارم من إصلاح الضمير.

من نقض الحزن ورفض الذعر ذكر الصدر، وحينما ذكر الإِيمان

المحض ذكر القلب، وكل موضعٍ يذكر الله في القرآن العقل

والإيمان، فإنه يخصُّ ذكر القلب، وإذا أراد ذلك وسائر

الفضائل والرذائل ذكر الصدور، وهذا إذا اعتُبر بالاستقراء

انكشف، نحو قوله: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) .

وقوله: (فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) ، وقوله: (أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُم) .

وقوله: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) .

وقوله: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) .

وقوله: (فِي صُدُورِ النَّاسِ) .

ولما كان التمحيص أخصَّ من الابتلاء كما تقدم خصَّه بالقلب، وهذه الأحوال الثلاث يترتب بعضها على بعض، فبإصلاح العمل يُتوصل إلى إصلاح ما في الصدور

من الشهوة والغضب، وبهما وبإصلاح ذلك يَتوصل إلى إصلاح ما

في القلوب من الاعتبارات التي لا يعتريها شك وريب، وذلك ما يبلغه العبد، وبه يستحق اسم الخلافة لله المذكور في قوله: (وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ) ، ثم قال: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) ، أي عالم بجميع ما ينطوي عليه من الضمائر الطيبة والخبيثة.

وخصَّ الصدور دون القلب إذ هي أعم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت