«فإن قيل» : فأي شيء في تعليم آدم الأسماء من تنبيه الملائكة على ما سألوا عنه؟
قيل: إن الله تعالى لما خلق الإنسان من أمشاج مختلفة وقوى متفاوتة وجعله جسمانيًا روحانيًا، وحصل له بحسب القوى المختلفة معارف مختلفة وأفعال متفاوتة، فإن له بحسب الحواس الخمس معارفًا خمسًا، وبحسب العقل معارف معقولة وبحسب الوهم والخيال معارف موهومة متخيلة وحصل له بحسب التراكيب البدنية وبسائطها أفعال متباينة ومهن متفاوتة كالتجارة، والصياغة، وسائر الصناعات.
وجل ذلك معدوم في الملك لعدم كثافة الجسم المركب من الأمشاج، ولاستغنائها عن ذلك، فبين الله تعالى بتعليمه آدم - عليه السلام - هذه الأسماء كلها والمعاني وعرضها على الملائكة، وأنبأ آدم - عليه السلام - بها وبحقائقها.
ومعرفة تعاطي الصناعات المختصة بالإنسان عجز الملائكة، وأن الإنسان مستصلح لعلوم وأعمال ليس للملك سبيل إليها بوجه فإن المحسوس لا يدركه محسوسًا إلا ذو الحاسة، والمهن لا يتعاطاها إلا من ركب تركيب الإنسان من القوى المتفاوتة التي منها القوتان اللتان كانوا يرونهما مفسدتين.
أعني القوة
الشهوية والقوة والغضبية، ونبههم أن ذلك وإن كان فيه مفسدة ما، ففيها مصالح كثيرة، وأن الخلافة التي رشح لها الإنسان في الأرض لا يصلح لها إلا هذا التركيب، فحينئذ قال لهم: (ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) .