فهرس الكتاب
مستنكر أن يزول الإيمان بزوالها إذا كانت تستلزم عدم محبة القلب وانقياده الذي يستلزم عدم التصديق الجازم [1] .
المسألة الخامسة: منع الزكاة:
ينقل ابن القيم عن القاضي أبي يعلى كلامًا عن مانعي الزكاة يقتضي تكفيرهم في وقت انتشار أحكام الإسلام قال فيه (( وكذلك قد قيل في مانعي الزكاة أنهم على ضربين منهم من حكم بكفره وهم من آمن بمسيلمة وطليحة والعنسي، ومنهم من لم يحكم بكفره، وهم من لم يؤمنوا بهم، ولكن منعوا من الزكاة وقالوا أنها كانت واجبة عليهم لأن النبي كان يصلي عليهم وكانت صلاته سكنًا لهم قالوا: وليس صلاة ابن أبي قحافة سكنًا لنا فلم يحكم بكفرهم لأنه لم يكن قد انتشرت أحكام الاسلام، ولو منعها مانع في وقتنا حكم بكفره ) ) [2] فمناط التكفير عند أبي يعلى منع الزكاة مع انتشار أحكام الإسلام.
لكن لابن القيم كلام آخر يقول فيه (( ومن الكبائر ترك الصلاة ومنع الزكاة وترك الحج مع الاستطاعة والإفطار في رمضان بغير عذر وشرب الخمر والسرقة والزنا واللواط ) ) [3] وإن كان اعتبار ما ذكر من الكبائر ليس جزمًا بأن كل واحدة منها ليست كفرًا أكبر عند ابن القيم، لأنه بدأ فيها بذكر ترك الصلاة، رغم أنه يرى ترك الصلاة كفرًا، وعليه فيحتمل أيضًا أن يكون منع الزكاة مكفرًا عنده، ويحتمل عكس ذلك، ويمكن الجمع بين الأمرين فيقال إن ترك الزكاة يكون على نوعين، النوع الأول ترك إخراجها مع الامتناع والمقاتلة على ذلك، وهذا هو محل التكفير المذكور عند طائفه من أهل العلم، والنوع الثاني تركها بخلًا دون الامتناع والمقاتلة على ذلك، ولعله المراد بكثير من كلام ابن القيم عن تارك الزكاة كقوله - رحمه الله - (( وهكذا من ترك الحج عمدًا مع القدرة عليه حتى مات، أو ترك الزكاة فلم يخرجها حتى مات، فإن مقتضى الدليل وقواعد الشرع أن فعلها عنه بعد الموت لا يبرئ ذمته ولا يقبل منه ) ) [4] معللا ذلك بأنها من طاعات العبد بنفسه ولا يجوز فيها الإنابة، ولاحظ كيف قال (ترك الزكاة) ولم يقل (منع الزكاة) لأن الممتنع عن دفع الزكاة مع مقاتلته على ذلك، ليس مجرد ترك، بل هو امتناع ينافي أصلًا لابد منه في تحقيق الإيمان وصحته ألا وهو أصل الانقياد، والذي إذا زال زال معه الإيمان، وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله (( والكفر وان اختلفت شعبه فيجمعه خصلتان الأولى:
(1) يُنظر: الصلاة وحكم تاركها لابن القيم/ فصل في الحكم بين الفريقين، ص 41 - 43.
(2) بدائع الفوائد لابن القيم / هل يجوز للجماعة أن يقوموا قبل رؤية الإمام 3/ 1011.
(3) إعلام الموقعين لابن القيم / .. الكبائر 6/ 569.
(4) شرح سنن أبي داوود لابن القيم (تهذيب سنن أبي داوود .. ) لابن القيم، دار المعرفة - بيروت/ دخول النيابة في الصوم وغيره .. 1/ 455.