فهرس الكتاب
ونرجع بعد ذلك إلى الأصل، وإذا أردنا تطبيق ذلك في حكمي التكفير والتبديع، فسنقول: لو أن مسلمًا وقع في قول أو فعل له ظاهران متعارضان أحدهما يقتضي التكفير والثاني يقتضي عدم التكفير وهما متساويان، فالحكم أن الظاهرين يتساقطان لتعارضهما وتساويهما، ونرجع إلى الأصل وهو أنه مسلم.
وأما إن عورض الظاهر بظاهرٍ أقوى منه فالحكم حينئذٍ للأقوى، وقد خرَّج ابن القيم الحكم بعدم قبول توبة الزنديق بعد القدرة عليه على هذا الأصل، فهو يرى الفرق بين توبة الكافر الأصلي، وتوبة الزنديق بعد القدرة عليه، لأن توبة الكافر الأصلي لم يعارضها ما هو أقوى منها، بينما توبة الزنديق قد عورضت بما هو أقوى منها، وهو ما أظهره قبل القدرة عليه من الزندقة المبيحة لدمه، ولاشك أن ما أظهره من الزندقة سابقًا أقوى مما أظهره من التوبة لاحقًا، لأن هذه التوبة قد أظهر مثلها قبل ذلك ثم أظهر بعدها الزندقة مرارًا، فقام الدليل على بطلان تلك التوبة الظاهرة، إذ قد عُلم أن الباطن بخلافها، وكل ظاهرٍ قد عُلم أن الباطن بخلافه فلا يلتفت إليه، لأن العلم بخلاف الباطن أقوى ظهورًا من ذلك الظاهر، وظهور توبته أضعف من ظهور مخادعته وكذب باطنه، فالعبرة حينئذٍ للأقوى، لاسيما وأن ما أظهره من التوبة لم يكن في حال الاختيار الكامل، إنما كان في حالٍ أشبه بحال الاضطرار، حيث لم يظهر التوبة إلا بعد التمكن منه والقدرة عليه، فاحتمال الصدق في توبته أضعف بكثير مما لو كانت التوبة قبل القدرة عليه، ولهذا فرق ابن القيم بين توبته قبل الرفع إلى السلطان فتُقبل وتوبته بعد فلا تُقبل [1] .
المسألة الثانية: من شروط إجراء أحكام الناس على الظاهر تقديم ظاهر الحال على ظاهر اللفظ:
إذ ليس المقصود بالحكم بالظاهر .. الجمود على ظاهر اللفظ فقد .. بل لا بدمعه من ظاهر الحال الذي يدل على مطابقة اللفظ للقصد فإن ظهر من الحال عدم مطابقة اللفظ للقصد قدم ظاهر الحال. مثاله: الرجل الذي قال في دعائه (( اللهم أنت عبدي وأنا ربك ) ) [2] ظاهر اللفظ كفر، لكن دل حاله على عدم مطابقة اللفظ للقصد وأنه لم يقصد ما دل عليه ظاهر لفظه، ولم يرد بكلامه ذلك المعنى إنما أراد قول (اللهم أنت ربي وأنا عبدك) فسبق لسانه بالعكس من غير قصد .. فحكمنا بظاهر الحال لا بظاهر اللفظ، إذن: فلا بد للحكم بظاهر اللفظ أن يظهر من الحال مطابقته للقصد فإن ظهر من الحال مخالفة للفظ للقصد .. فالحكم حينئذ للقصد الذي دل عليه ظاهر الحال .. فالقصد وظاهر الحال حاكمان على ظاهر اللفظ وليس العكس، ومثل ابن القيم على ذلك بكلام النائم والمجنون والسكران [3] فيمن لا يكون مريدًا لمقتضى كلامه ولا لغيره (أي انتفى القصد بالكلية) .. كما مثل بمن يوجد لديه قصد لكنه قصد بكلامه معنى يخالف ظاهره (( كالمعرّض والمورّي والملغز والمتأول ) ) [4] .
وهنا سؤال هام: هل يدخل الهازل والمستهزئ في هذا القسم الذي لم يُرِد فيه المتكلم معنى كلامه على
(1) ينظر: إعلام الموقعين لابن القيم / فصل القول بأن الحكم بخلاف ما ظهر يؤدي إلى خلاف التنزيل والسنة 4/ 546 - 550.
(2) سيأتي تخريجه قريبًا في الصفحة اللاحقة.
(3) يُنظر: إعلام الموقعين لابن القيم / فصل الألفاظ بالنسبة إلى مقاصدها 4/ 518.
(4) المصدر السابق 3/ 301.