فهرس الكتاب
اعتبار أنه غير جاد في كلامه وبالتالي يعفى عنه؟!! أجاب عن ذلك ابن القيم وبين أن الهازل والمستهزئ لا يدخل في هذا الباب، ولا يعتبر حاله كحال المكره أو المخطئ أو الناسي، ومن قاسه على ذلك فقياسه فاسد (( فإن المكره غير قاصدٍ للقول، ولا لموجبه، وإنما حُمِل عليه وأُكرِه على التكلم به، ولم يُكرَه على القصد، وأما الهازل فإنه تكلم باللفظ اختيارًا وقصد به غير موجبه، وهذا ليس إليه، بل إلى الشارع، فهو أراد اللفظ الذي إليه، وأراد ألا يكون موجبه وليس إليه، وأما المكره فإنه لم يرد هذا ولا هذا، فقياسه على الهازل غير صحيح ) ) [1] .
واستدل بأن الله رفع المؤاخذة عن المخطئ والناسي [2] ولم يرفع المؤاخذة عن الهازل والمستهزئ كما في قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [3] [4] , وما ذلك إلا لأن الهازل والمستهزئ قد قصدا التكلم باللفظ اختيارًا وإن لم يقصدا موجبه، بينما المخطئ والناسي والنائم لا قصد لهم ولا اختيار.
والخلاصة التي نخرج بها مما سبق أن ابن القيم- رحمه الله يرى- ما يلي:
1)وجوب إجراء أحكام الناس على الظاهر، وهذا هو الأصل في كل حكم، ليس في التكفير فقط بل هو عام، لأنه قد نص أن أحكام الدنيا مبنية على الظواهر، فيدخل في ذلك التبديع والتفسيق والتضليل وسائر الأحكام، فلا يجوز أبدًا تكفير أحدٍ أو تبديعه أو نسبته إلى فسقٍ أو ضلال لمجرد احتمال مع أن الظاهر السلامة من ذلك، فإن أظهر صريح الإسلام القاطع حكمنا له بالإسلام، وإن أظهر الكفر الصريح القاطع حكمنا بكفره، أي حكمنا في الحالين بحسب ظاهره.
2)فأما إن كان ذلك الظاهر محتملًا غير قاطع، وثمة ما هو معارض له، فإن كان المعارض مثله في القوة سقط الاثنان ورجعنا إلى الأصل، وإن كان المعارض أقوى منه فالحكم للأقوى، وإن علم أن الباطن بخلاف ذلك الظاهر أو دل ظاهر الحال على عدم مطابقة اللفظ للقصد فلا التفات إلى ظاهر اللفظ ولا اعتبار به من بابٍ أولى، كقول الرجل عندما وجد راحلته (( اللهم أنت عبدي وأنا ربك ) ) [5] ولم يؤاخذ بذلك كما قال ابن القيم [6] لوجود القطع بأن الباطن بخلاف الظاهر، وهذا محل اتفاق وإجماع عند الصحابة والتابعين لهم من أهل السنة والجماعة [7] .
(1) تهذيب سنن أبي داوود وإيضاح مشكلاته لابن القيم 6/ 188.
(2) يشير إلى حديث: أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) )ورواه أيضًا ابن عباس بلفظ (إن الله وضع عن أمتي) أخرجة ابن ماجه/ باب طلاق المكره والناسي رقم (2045) 3/ 201.
(3) التوبة: 65.
(4) يُنظر: إعلام الموقعين لابن القيم / فصل إلزام المستهزئ والهازل 4/ 448 - 449.
(5) أخرجه مسلم عن أنس بن مالك / باب في الحض على التوبة والفرح بها رقم 2747 ص 1144.
(6) يُنظر: إعلام الموقعين لابن القيم / فصل موجبات الإيمان 4/ 426، فصل اعتبار النية والألفاظ في الطلاق 4/ 447، فصل الألفاظ التي لم يقصد المتكلم بها 4/ 517 - 519،، إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان، لابن القيم، ت محمد عفيفي، المكتبة الإسلامية - بيروت، ط 1، 1416 هـ، ص 14، شفاء العليل لابن القيم / الباب الثامن عشر في فعل و .. 2/ 809.
(7) كما نقل ذلك الآجري وابن حجر [يُنظر: الشريعة، لأبي بكر محمد بن الحسين الآجري، ت عبد الله بن عمر الدميجي، دار الوطن، ط 1، 1420 هـ/ باب ذكر الاستثناء في الإيمان من غير شك 1/ 306، وفتح الباري شرح صحيح البخاري، لأحمد بن علي بن حجر، ت عبد العزيز بن باز، دار الفكر العربي - الرياض،1410 هـ / حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم 16/ 379] .