فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 264

والكراهية لما أنزل الله في الآية الثانية هي من الكفر الأكبر [1] ومن ثم فإذا وجدنا الحكم بحبوط العمل على قولٍ أو فعل فمعنى ذلك أن: ذلك القول أو الفعل مخرج من الملة، لأن هذا هو الأصل في أكثر النصوص [2] ، ومع ذلك فإن ابن القيم عندما وقف مع قوله تعالى {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [3] أشار إلى أن هذا العمل الذي توعد صاحبه بحبوط العمل ليس بردة وإنما هو معصية، وقرر أن هناك أعمالًا قد تحبط العمل وإن لم تكن ردة [4] .

ثم استدل أيضًا بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - (( من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله ) ) [5] ، وقول عائشة- رضي الله عنها- لزيد بن أرقم - رضي الله عنه - لما باع العينة: أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله إلا أن يتوب )) [6] ، والتبايع بالعينة ليس ردة، وترك صلاة العصر ليس ردة، لكن هذا الحبوط- فيما يبدوا- ليس لكل الأعمال، لذا قرر - رحمه الله - في موضع آخر أن الحبوط حبوطان: حبوط عام: وهو حبوط الحسنات كلها بالردة، والسيئات كلها بالتوبة، وحبوط خاص: وهو حبوط السيئات والحسنات بعضها ببعض [7] ، ومعنى ذلك أن إطلاق حبوط العمل لا يعني بالضرورة الوقوع في الردة إلا إذا دل دليل على أنه حبوط عام لجميع الأعمال [8] ، والأمثلة السابقة دليل على ذلك لأن الحبوط فيها لا يقتضي ردة، ومنها ما في آية الحجرات المذكورة [9] .

(1) إذ الآية تتحدث عن الكفار، فإنه قال قبلها (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) (محمد: 8) ، وقد حكى محمد بن عبد الوهاب الإجماع على ذلك كما في الناقض الخامس من نواقض الإسلام العشرة [يُنظر: الدرر السنية في الكتب النجدية، لمجموعة من علماء نجد- قسم الفقه 13/ 82] .

(2) قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - (( المشهور عند أهل السنة القائلين بعدم تخليد الفاسق ورجاء الشفاعة له والرحمة أنه لا يحبط العمل إلا الكفر، فإن نصوص القرآن تقتضي حبوط العمل بالكفر ) ) [المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام، لابن تيمية، جمعه محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، ط 1، 1418 هـ/ فصل لا يحبط جميع الأعمال إلا الكفر 1/ 126] .

(3) الحجرات: 2.

(4) يُنظر: الوابل الصيب من الكلم الطيب لابن القيم / استقامة القلب، ص 20 - 21.

(5) أخرجه: أحمد /حديث بريدة الأسلمي رقم (2957) 38/ 45، والبخاري /باب من ترك العصر رقم (223026) 38/ 75.

(6) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه / باب الرجل يبيع السلعة ثم يريد شراءها، رقم (14812) ، والدار قطني في سننه / البيوع، رقم (3045) .

(7) يُنظر: الصلاة وحكم تاركها لابن القيم / فصل في أنواع حبوط الأعمال .. ، ص 50 - 52.

(8) يُنظر: اجتماع الجيوش الإسلامية ... لابن القيم / فصل في بيان ما اجتمعت عليه الأمة من السنن ص 52.

(9) ويبدو أن ابن القيم خالف هنا شيخه ابن تيمية - رحمهما الله - فإن ابن تيمية يرى أن الحبوط المذكور في آية الحجرات هو الحبوط العام المقتضي للكفر والردة لكنهما متفقان على أصل القاعدة وهي أنه حيث يراد بحبوط العمل الحبوط العام الذي لا تبقى معه حسنة فذلك مقتض للخروج من الدين والردة عن الإسلام، وحيث يكون مطلقًا لا ينص على إرادة الحبوط العام فهو محتمل، إذْ يصح أن يطلق فيما لا يكون مكفرًا [يُنظر: الصارم المسلول على شاتم الرسول، لابن تيمية، ت محمد الحلواني ومحمد شودري، رمادي للنشر ط 1، 1417 هـ/ الدليل السادس قوله سبحانه (( لا ترفعوا أصواتكم .. ) )2/ 112، الزهد والورع والعبادة، لابن تيمية، ت حماد سلامة ومحمد عويضة، مكتبة المنار - الأردن، ط 1 1407 هـ، 1/ 64] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت