فهرس الكتاب
المسألة الثانية: نفي الإيمان: فإنه قد يراد به سلب الإيمان المطلق (أي كمال الإيمان) وقد يراد به سلب مطلق الإيمان (أي أصله) ، ففي الحالة الأولى يكون غير مكفر، وفي الثانية يكون مكفرًا، وإذا كان الأمر مترددًا في الاستعمال بين هاتين الحالتين فمن الخطأ الفاحش أن يُظن أن كل من نُفي عنه الإيمان فقد ُنُفي عنه أصله، وصار بذلك كافرًا كفرًا أكبر، والنص التالي عن ابن القيم يوضح ذلك حيث ذكر من العقوبات التي يعاقب الله بها الزاني (( أنه يسلبه اسم المؤمن كما في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) ) [1] فسلبه اسم الإيمان المطلق وإن لم يسلب عنه مطلق الإيمان [2] ، وسئل جعفر بن محمد [3] عن هذا الحديث فخط دائرة في الأرض وقال هذه دائرة الإيمان (أي الكامل) ، ثم خط دائرة أخرى خارجةً عنها وقال هذه دائرة الإسلام، فإذا زنى العبد خرج من هذه ولم يخرج من هذه، ولا يلزم من ثبوت جزء ما من الإيمان له أن يسمى مؤمنًا، كما أن الرجل يكون معه جزء من العلم والفقه ولا يسمى به عالمًا فقيهًا )) [4] . فأثبت له الإمام بقاء جزء من الإيمان - وإن لم يستحق اسم المؤمن بإطلاق - لكن هذا الجزء المتبقي من الإيمان منج له من الكفر الأكبر مادام لم يخرج من دائرة الإسلام، (والإسلام هو أصل الإيمان) ، ولفظ المؤمن قد يطلق ويراد به كامل الإيمان وبهذا لا يدخل فيه الزاني والسارق ونحوهما من العصاة المنفي عنهم الإيمان المطلق، وقد يطلق ويراد به المؤمن بشكل عام سواءً كان كامل الإيمان أم ناقصه، المهم بقاء أصل الإيمان عنده، وبهذا يدخل فيه أصحاب الزنى والسرقة وشرب الخمر ويكون نفي الإيمان في حقهم نفيًا لكماله لا لأصله، كما قال تعالى {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ... } [5] حيث بين ابن القيم أن نفي الإيمان في الآية نفي للإيمان المطلق (أي لكمال الإيمان) لا لمطلق الإيمان (الذي ينتفي بانتفاء أصله [6] .
ومعلوم أن المعاصي كلها من شعب الكفر كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان، فمن وقع في معصية دون الكفر فقد وقع في شعبةٍ من شعب الكفر مع بقاء أصل الإيمان عنده، ومن ثم يصح أن ينفي عنه
(1) أخرجه البخاري / 30 - باب النهبى بغير إذن صاحبه / رقم (2475) ، ومسلم / بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ونفيه عن المتلبس بالمعصية، رقم (86) كلاهما: عن أبي هريرة- رضي الله عنه -.
(2) فظهر بما ذكرنا أن الإيمان المطلق أخص من مطلق الإيمان فالأول لا يتصف به إلا من كمل إيمانه وسلم من الفسق، والثاني يتصف به كل من بقي معه أصل الدين وإن كان فاسقًا فاجرًا ما دام لم يخرج بفسقه عن ملة الإسلام، فالزاني - مثلًا - عنده مطلق الإيمان وليس لديه الإيمان المطلق، فيصح في حقه نفي الإيمان (ويراد به الإيمان المطلق) ، كما يصح إثبات الإيمان له (ويقصد به مطلق الإيمان) .
(3) هو الإمام الهاشمي أبو موسى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ويعرف بجعفر الصادق ولد سنة ثمانين ورأى بعض الصحابة، وكان من جلة علماء المدينة، وسيد بني هاشم وعالمهم في زمانه، توفي سنة 148 هـ [ينظر: سير أعلام النبلاء للذهبي / 117 - جعفر بن محمد بن علي 11/ 316] .
(4) روضة المحبين ... لابن القيم / الباب الرابع والعشرون في ارتكاب سبيل الحرام ... ، ص 359.
(5) الحجرات: 14.
(6) يُنظر: بدائع الفوائد لابن القيم / فائدة مطلق الإيمان والإيمان المطلق 4/ 1325.