فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 264

إلغاؤها )) [1] فما كان من الفعل ذا مفسدةٍ ثابتة لا ترتفع ولا يمكن تلافيها فلا يمكن إلحاقه بالأقوال في حكم الإكراه، وما كان مفسدته غير ثابتة ويمكن إلغاؤها أو تلافيها أبيح فعله بالإكراه سواءً كان عمل كفر أم دون ذلك. هذا ما يمكن استنباطه من كلام الإمام- رحمه الله -.

والخلاصة من كل ما تقدم أن منهج ابن القيم في هذا الباب يقوم على ما يلي:

1 -اعتبار الخطأ عذرًا يمنع من التكفير والتبديع، والمقصود بالخطأ هنا ليس الخطأ في فهم الشرع والخروج برأيٍ مخالف نتيجة الفهم الخاطئ فإن هذا قد سبق في باب التأويل، وإنما المقصود بالخطأ هنا: خطأ اللسان وسبقه بغير قصد كما أخطأ ذلك الرجل من فرط فرحته فقال (( اللهم أنت عبدي وأنا ربك ) )فهو عكس العمد ولذا يدخل في الخطأ أيضًا النسيان.

2 -تختلف أسباب الوقوع في الخطأ بسبق اللسان، فقد تكون غلبة فرح، أو غلبة حزن، أو غلبة دهشةٍ، تجعل المرء يقول كلامًا كفريًا أو محدثًا وهو لا يقصده ولا يريد معناه إطلاقًا، بل كان يريد قول شيء آخر صحيح، ولكنه من شدة اندهاشه جرى على لسانه غيره مما هو كفر أو بدعة.

3 -اعتبار الإكراه عذرًا يمنع من التكفير والتبديع، وكثيرًا ما يجمع ابن القيم بينه وبين الخطأ بجامع بينهما ألا وهو انعدام القصد.

4 -ليس انعدام القصد علةً للإعذار بإطلاق، ولذا أخرج ابن القيم الهازل والمستهزئ ولم يلحقه بالمخطئ والمكره في الحكم، والفرق بينهما أن الهازل والمستهزئ لم يقصدا حقيقة الكلام على سبيل الجد لكنهما قصدا قول اللفظ اختيارًا من دون عذر وقصدا معناه هزلًا لا جدًا، مما يعني الاستخفاف والاستهانة، بينما المخطئ والمكره لم يقصدا حقيقة اللفظ ولا أرادا قوله اختيارًا فانعدم قصد اللفظ وقصد المعنى، ولم ينعدم قصد اللفظ في مسألة الهازل والمستهزئ فكانا غير معذورين لثبوت الاختيار في فعلهما.

5 -عموم الإعذار بالخطأ والإكراه في كل قول عند ابن القيم سواءً أكان في بابي التكفير والتبديع أم في أبواب أخرى كالطلاق والعتاق واليمين والنذر.

6 -تختلف الأعمال عن الأقوال في مسألة العذر بالإكراه، فلا يرى ابن القيم عموم الإعذار فيها كالأقوال بل يرى التفصيل، ويرى أن النصوص التي عذرت المكره يراد بها الكلام قطعًا، وأما الأعمال ففيها تفصيل، فما كان من العمل ذا مفسدةٍ ثابتةٍ لا ترتفع أو ضرره كضرر الإكراه وربما أعظم فلا يباح بالإكراه.

7 -يشترط في الإعذار بالإكراه عند قول كلمة الكفر أو البدعة أن لا يطمئن القلب لها، ولا يقترن القصد باللفظ، إنما يقصد بذلك دفع الضر عن نفسه مع اطمئنان قلبه بالإيمان والسنة.

أقوال العلماء:

إذا استقرأنا أقوال العلماء في هذه المسألة ومذاهبهم فسنجدها في الجملة موافقةً لما عليه ابن القيم، سواءً في باب الخطأ أم في باب الإكراه مع وجود الخلاف في بعض التفاصيل .. وهذا بيانها:

(1) زاد المعاد لابن القيم 5/ 160.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت