فأما النوع الأول- المخرج من الملة- فهو الذي عناه ابن القيم- رحمه الله - فيما نقله عن أبي الحسن الأشعري حين ذكر من يبتدع بدعة ينسب صاحبها إلى الكفر والخروج [1] ، وبين في موضع آخر أن الشرك والبدعة قرينان في القرآن الكريم فقال رحمه الله: (( ولهذا كانت البدعة قرينة الشرك في كتاب الله تعالى قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [2] فالإثم والبغي قرينان والشرك والبدعة قرينان ) ) [3] والدلالة من هذا الاقتران واضحة، لأن البدعة إما أن تكون شركًا في ذاتها أو أن تكون موصلةً إليه، فالأول هو النوع المكفر منها الذي يخرج صاحبه من الإسلام وقد نقل ابن القيم كلامًا لشيخه ابن تيمية، يدل على وجود بدع هي من جنس الكفر والشرك الأكبرين وخاصة في ما يحصل عند القبور وإليك ما نقله (( قال شيخنا قدس الله روحه: وهذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتب أبعدها عن الشرع: أن يسأل الميت حاجته، ويستغيث به فيها، كما يفعله كثير من الناس، قال: وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، ولهذا قد يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت أو الغائب، كما يتمثل لعباد الأصنام ... وكذلك السجود للقبر والتمسح به وتقبيله ... ) ) [4] .
وأما النوع الثاني من البدعة: وهو ما لا يخرج من الإسلام فهي البدعة التي يجعلها ابن القيم في المرتبة الثانية مباشرةً بعد الشرك، ويقدمها على الكبائر، حيث قال- رحمه الله- (( المرتبة الثانية من الشر، وهي البدعة، وهي أحب إليه من الفسوق والمعاصي، لأن ضررها في نفس الدين، وهو ضرر متعد، وهي ذنب لا يتاب منه، وهي مخالفة لدعوة الرسل، ودعاء إلى خلاف ما جاءوا به، وهي باب الكفر والشرك ) ) [5] .
وعندما قارن بين الكبائر الصادرة من أهل السنة، وبين البدع الصادرة من أهل الأهواء، جعل الأولى (وهي الكبائر) صغائر بالنسبة إلى بدعة أهل البدع، فقال رحمه الله (( وقال مالك بن مغول: الكبائر ذنوب أهل البدع والسيئات ذنوب أهل السنة قلت: يريد أن البدعة من الكبائر، وأنها أكبر من كبائر أهل السنة، فكبائر أهل السنة صغائر بالنسبة إلى البدع ) ) [6] وأشار بعد ذلك إلى العلة السابقة في جعل البدع أشد من الكبائر، وهي أن البدعة لا يتاب منها لظن صاحبها أنه يحسن صنعًا.
وهذا هو السر في استعظام السلف للبدع، وشدة تحذيرهم منها ومن فتنة أهلها، ومبالغتهم في ذلك، لأن النقص والإخلال الحاصل للدين بسبب البدع، يفوق أضعاف ما يحصل بسبب المنكرات والفواحش، إذ أن البدع
(1) يُنظر: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، لابن القيم، ت عصام الدين الصبايطي، دار الحديث القاهرة / الباب السبعون في ذكر من يستحق هذه البشارة، ص 376.
(2) الأعراف: 33.
(3) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم / فصل في الشرك والزنا واللواطه من الخبث 1/ 89.
(4) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم / فصل ما الذي أوقع عباد القبور 1/ 311 باختصار.
(5) بدائع الفوائد، لابن القيم ن ت علي بن محمد العمران، دار عالم الفوائد - الرياض، ط 1، 1425 هـ / فصل قوله: الذي يوسوس في ... 2/ 799.
(6) مدارج السالكين لابن القيم / فصل الكبائر 1/ 322.