صورة من صور القول على الله بغير علم، الذي يعده ابن القيم- رحمه الله- (( أعظم المحرمات عند الله وأشدها إثمًا، فإنه يتضمن الكذب على الله، ونسبته إلى ما لا يليق به، وتغيير دينه وتبديله، ونفي ما أثبته وإثبات ما نفاه ... ) )إلى أن قال (( فليس في أجناس المحرمات، أعظم عند الله منه، ولا أشد إثمًا، وهو أصل الشرك والكفر، وعليه أسست البدع والضلالات، فكل بدعة مضلة في الدين، أساسها القول على الله بلا علم ... ) ) [1] فجعل الشرك والكفر وكذا البدع منطلقة من أصلٍ واحدٍ، فلا عجب أن يشير بعد ذلك إلى مبالغة السلف في التحذير من البدع [2] ، وأن يعقد مقارنة في الجواب الكافي بين ضرر المبتدع، وضرر المذنب، معتبرا الأول أشد ضررًا من كل النواحي [3] .
والخلاصة: أن البدعة بالنسبة لإخلالها بالدين تنقسم إلى قسمين:
أ- بدعة مكفرة لا تُبقي من أصل الدين مثقال ذرة.
ب- بدعة غير مكفرة تفوق كل الكبائر والفواحش في إخلالها بالدين، وكلما كثرت البدع من هذا النوع عند امرئ أدنته من الشرك والكفر، وطرحته على بابهما، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه (( فإن البدع تستدرج بصغيرها إلى كبيرها، حتى ينسلخ صاحبها من الدين، كما تنسل الشعرة من العجين، فمفاسد البدع لا يقف عليها إلا أرباب البصائر، والعميان ضالون في ظلمة العمى، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) ) [4] بحسب كلام ابن القيم- رحمه الله -.
مع العلم أن البدع غير المكفرة تتفاوت درجاتها، ومن أسباب تفاوتها أن منها ما لا أصل له في الدين بتاتًا وتسمى بدعًا أصلية أو أساسية ككثير من بدع المعتزلة والخوارج والقدرية وغيرهم، ومنها ما هو مشروع في الأصل لكن الابتداع فيه بإضافة صفة أو عدد أو هيئة محدثة فيه، وتسمى بدعًا إضافية، وهي أهون من سابقتها، ولذا نجد ابن القيم لما ذكر المداومة على القنوت في صلاة الفجر، ورجح كونه مخالفًا لما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونقل تصريح بعض الصحابة ببدعية ذلك، رجح في آخر الأمر عدم الإنكار على من داوم على القنوت في صلاة الفجر، وعدم اعتبار فعلهم بدعة، لأن العمل له أصل في السنة، وركن الاعتدال محل دعاء وثناء، إنما غاية الأمر المخالفة لهديه - صلى الله عليه وسلم - وإضافة حال لم يكن يفعله، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يقنت في النوازل فقط [5] إذن لم يشتد في إنكاره على هذه البدعة - إن سميناها بذلك كما سماها بعض السلف - بينما اشتد إنكاره على البدع الأصلية كبدع الجهمية والخوارج والقدرية والرافضة وغيرهم، وإن ان
(1) مدارج السالكين لابن القيم/ فصل القول على الله بغير علم 1/ 372، باختصار.
(2) يُنظر: المصدر السابق 1/ 372.
(3) يُنظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ت أسامة بن حسن بن عبد المجيد، دار الجيل - بيروت ط 1، 1419 هـ / فصل القول على الله بغير علم، ص 167.
(4) مدارج السالكين لابن القيم / فصل النظر الرابع 1/ 224.
(5) يُنظر: زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم، ت عرفات عبد القادر العشا، دار الفكر، ط 1، 1418 هـ، 1/ 262