قلت: ولا شك أن زيارة قباء لمن كان في المدينة ليس بسفر، ولا يطلق عليه اسم سفر.
ولهذا قال شيخ الإسلام: وقد ذكر بعض المتأخرين من العلماء: أنه لا بأس بالسفر إلى المشاهد، واحتجوا: بأن النبي ^ (كان يأتي قباء كل سبت راكبًا وماشيًا) ، أخرجاه في الصحيحين [1] . ولا حجة لهم فيه؛ لأن قباء ليست مشهدًا، بل مسجد، وهي منهي عن السفر إليها باتفاق الأئمة؛ لأن ذلك ليس بسفر مشروع، بل لو سافر إلى قباء من دويرة أهله لم يجز، ولكن لو سافر إلى المسجد النبوي ثم ذهب منه إلى قباء فهذا يستحب، كما يستحب زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد [2] .
والمسألة من مسائل الخلاف التي تنازع فيها الناس. وقد ذكر شيخ الإسلام هذا الخلاف وموقف الموفق رحمه الله فقال: وقد اختلف أصحابنا وغيرهم، هل يجوز السفر لزيارتها؟ على قولين: أحدهما: لا يجوز، والمسافرة لزيارتها معصية، ولا يجوز قصر الصلاة فيها، وهذا قول ابن بطة وابن عقيل، وغيرهما؛ لأن هذا السفر بدعة، لم يكن في عصر السلف، وهو مشتمل على ما سيأتي من معاني النهي، ولأن في الصحيحين عن النبي ^ قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا) . وهذا النهي يعم السفر إلى المساجد والمشاهد، وكل مكان يقصد السفر إلى عينه للتقرب، بدليل أن بصرة بن أبي بصرة الغفاري، لما رأى أبا هريرة راجعًا من الطور الذي كلم الله عليه موسى قال: لو رأيتك قبل أن تأتيه لم تأته لأن النبي ^ قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) .
فقد فهم الصحابي الذي روى الحديث أن الطور وأمثاله من مقامات الأنبياء، مندرجة في العموم، وأنه لا يجوز السفر إليها، كما لا يجوز السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة. وأيضًا فإذا كان السفر إلى بيت من بيوت الله -غير الثلاثة- لا يجوز، مع أن قصده لأهل مصره يجب تارة، ويستحب أخرى، وقد جاء في قصد المساجد من الفضل ما لا يحصى- فالسفر إلى بيوت عباده أولى أن لا يجوز.
والوجه الثاني: أنه يجوز السفر إليها، قاله طائفة من المتأخرين، منهم أبو حامد الغزالي، وأبو الحسن بن عبدوس الحراني، والشيخ أبو محمد المقدسي. وما علمته منقولًا عن أحد من المتقدمين، بناء على أن الحديث لم يتناول النهي عن ذلك، كما لم يتناول النهي عن السفر إلى الأمكنة التي فيها الوالدان، والعلماء والمشايخ، والإخوان، أو بعض المقاصد، من الأمور الدنيوية المباحة [3] .
ونختم هذا المبحث بمناقشة ما ذكره أبو شامة المقدسي حول عقيدة الموفق حيث قال: كان إمامًا علمًا في العلم والعمل، صنف كتبًا كثيرة، لكن كلامه في العقائد على
(1) أخرجه البخاري في (كتاب فضل الصلاة - باب من أتى مسجد قباء كل سبت) (2/ 57) ، ومسلم في (كتاب الحج - باب فضل مسجد قباء ... ) (2/ 1016) (1399) .
(2) انظر مجموع الفتاوى (27/ 21 - 22) .
(3) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 182 - 183) .