المبحث السادس:
مكانته العلمية و ثناء العلماء عليه.
لقد احتل الموفق رحمه الله مكانة مرموقة ومنزلة راقية، فقد اتفق المترجمون على أنه من عداد الأئمة الأعلام، وصنفوه في عداد الفقهاء الكبار.
بل كان الموفق إمامُ الحنابلة في دمشق بغير منازع، وكان عَلَمًا في العلم والعمل، سائرًا على نهج السلف ذابًا عنهم ناصرًا لمذهبهم، واتصف بالصفات الحميدة السامية، مما جعل الخواص والعوام يثنون عليه، وقد أثنى عليه أهل زمنه من مشايخه وأقرانه وتلامذته. وإليك بعض أقوالهم:
قال عنه شيخه ابن المنِّي رحمه الله مخاطبًا الموفق: اسكن هنا فإن بغداد مفتقرة إليك، وأنت تخرج من بغداد ولا تخلف فيها مثلك [1] .
وقال ابن الحاجب رحمه الله: هو إمام الأئمة، ومفتي الأمة، خصه الله بالفضل الوافر والخاطر العاطر، والعلم الكامل، طنت بذكره الأمصار، وضنت بمثله الأعصار، أخذ بمجامع الحقائق النقلية والعقلية، فأما الحديث: فهو سابق فرسانه وأما الفقه: فهو فارس ميدانه أعرف الناس بالفتيا، وله المؤلفات الغزيرة، وما أظن الزمان يسمح بمثله، متواضع عند الخاصة والعامة، حسن الاعتقاد، ذو أناة وحلم ووقار، مجلسه معمور بالفقهاء والمحدثين وكان كثير العبادة، دائم التهجد لم نر مثله، ولم ير مثل نفسه [2] .
وقال تلميذه ابن النجار رحمه الله: وكان ثقة حجة غزير الفضل نزهًا ورعًا عابدًا على قانون السلف، عليه النور والوقار، ينتفع الرجل برؤيته قبل أن يسمع كلامه [3] .
وقال تلميذه الضياء رحمه الله: كان رحمه الله إمامًا في القرآن وتفسيره، إمامًا في علم الحديث ومشكلاته، إمامًا في الفقه، بل أوحد زمانه فيه، إمامًا في علم الخلاف، أوحد زمانه في الفرائض، إمامًا في أصول الفقه، إمامًا في النحو، إمامًا في الحساب، إمامًا في النجوم السيارة والمنازل [4] .
وقال سبط ابن الجوزي: كان إمامًا في التفسير والفقه والحديث والفنون، ولم يكن في زمانه - بعد أخيه أبي عمر والعماد - أزهد ولا أورع منه، وكان كثير الحياء، هينًا لينًا متواضعًا، محبًا للمساكين، حسن الأخلاق، جوادًا سخيًا من رآه فكأنما رأى بعض الصحابة، كأن النور يخرج من وجهه، كثير العبادة [5] .
(1) انظر: الذيل لابن رجب (4/ 136) ، المقصد الأرشد (2/ 17) .
(2) انظر: السير (22/ 167) ، الذيل لابن رجب (4/ 136) .
(3) انظر: الذيل لابن رجب (4/ 134 - 135) .
(4) انظر: السير (22/ 169) ، ذيل الطبقات لابن رجب (4/ 136) .
(5) انظر: مرآة الزمان (8/ 628) .