أمورا هي في أعينكم أدق من الشعر إن كنا لنعدها من الموبقات فكان يكفيهم قليل التعزير ثم تتابع الناس في المعاصي حتى زوروا خاتم عمر رضي الله عنه وهو معنى قول عمر بن عبد العزيز تحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور ولم يرد رضي الله عنه نسخ حكم بل المجتهد فيه ينتقل له الاجتهاد لاختلاف الأسباب
وثانيها من الفروق أن الحدود واجبة النفوذ والإقامة على الأئمة واختلفوا في التعزير وقال مالك وأبو حنيفة إن كان لحق الله تعالى وجب كالمحدود إلا أن يغلب على ظن الإمام أن غير الضرب مصلحة من الملامة والكلام وقال الشافعي هو غير واجب على الإمام إن شاء أقامه وإن شاء تركه احتج الشافعي رضي الله عنه بما في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعزر الأنصاري الذي قال له في حق الزبير في أمر السقي أن كان ابن عمتك يعني فسامحته ولأنه غير مقدر فلا يجب كضرب الأب والمعلم والزوج
والجواب عن الأول أنه حق لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجاز له تركه بخلاف حق الله تعالى لا يجوز له تركه كقوله تعالى كونوا قوامين بالقسط فإذا قسط فتجب إقامته وعن الثاني
هامش أنوار البروق
والبهائم والله تعالى أعلم
وأغفل أيضا التنبيه على ضعف قول إمام الحرمين أن الجناية الحقيرة تسقط عقوبتها وبيان ضعف ذلك القول بل بطلانه أن قوله العقوبة الصالحة لها لا تؤثر فيها ردعا قول متناف من جهة أنه لا معنى لكون العقوبة صالحة للجناية إلا أنها تؤثر فيها العادة الجارية ردعا فإن كانت بحيث لا تؤثر ردعا فليست بصالحة لها هذا أمر لا خفاء به ولا إشكال والله تعالى أعلم وجميع ما قاله في الفروق الثلاثة بعده صحيح أو نقل وترجيح
المسألة الثانية في قتل مسلم بذمي قولان للأئمة القول الأول لمالك والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنهم لا يقتل به لما في البخاري لا يقتل مسلم بكافر القول الثاني لأبي حنيفة يقتل به لعموم قوله تعالى ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا وهذا قتل مظلوما فيكون لوليه سلطان وعموم قوله تعالى النفس بالنفس وكذا سائر العمومات والجواب أن ما ذكرنا خاص فيقدم على العمومات على ما تقرر في أصول الفقه
هامش إدرار الشروق
فكان ذلك إجماعا وفي التبصرة قال المازري وضرب عمر رضي الله عنه صبيغا أكثر من الحد أي ولم ينكر عليه أحد من الصحابة وإلا لورد
الثاني أن الأصل مساواة العقوبات للجنايات قال الأصل وقال أبو حنيفة لا يجاوز به أي بالتعزير أقل الحدود وهو أربعون حد العبد بل ينقص منه سوط وللشافعي في ذلك قولان وفي التبصرة وبقول أبي حنيفة قال الشافعي وقال أيضا لا يبلغ عشرين وفيها أيضا ولم يزد أحمد بن حنبل في العقوبات على العشرة قال الأصل واحتجوا بما في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تجلدوا فوق عشر جلدات في غير حد من حدود الله
وأجاب أصحابنا عنه بأجوبة منها قال ابن الشاط وأغفله الشهاب وهو أصحها وأقواها إن لفظ الحدود في لفظ الشرع ليس مقصورا على الزنا وشبهه بل لفظ الحدود في عرف الشرع متناول لكل مأمور به ومنهي عنه فالتعليق على هذا من جملة حدود الله تعالى والمراد بغير حدود الله في الحديث جلد غير المكلفين كالصبيان والمجانين والبهائم فافهم
ا هـ
وعبارة المعلم كما في التبصرة وتأول أصحابنا الحديث على أن المراد بقوله في غير حد إلخ أي في غير حق من حقوق الله تعالى وإن لم يكن من المعاصي المقدر حدودها لأن المعاصي كلها من حدود الله تعالى ا هـومنها أن الحديث مقصور على زمنه عليه الصلاة والسلام لأنه كان يكفي الجاني منه هذا القدر كما في المعلم قال الأصل أي هو محمول على طباع السلف رضي الله عنهم كما قال الحسن إنكم لتأتون أمورا هي في أعينكم أدق من الشعر وإن كنا لنعدها من الموبقات فكان يكفيهم قليل التعزير ثم تتابع الناس في