فهرس الكتاب

الصفحة 1608 من 1743

صفحة فارغة

هامش أنوار البروق

هامش إدرار الشروق

فكان ذلك سببا لعظم ما هو صغير وكذلك معنى البدع المكروهة أنها أدنى رتبة في الذم من رتبة الصغيرة وليس معناها التنزيه الذي هو نفي إثم فاعلها ورفع الحرج عنه ألبتة لأن هذا مما لا يكاد يوجد عليه دليل من الشرع ولا من كلام الأئمة على الخصوص أما الشرع ففيه ما يدل على خلاف ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال من قال أما أنا فأقوم الليل ولا أنام وقال الآخر أما أنا فلا أنكح النساء إلى آخر ما قالوا رد عليهم عليه السلام ذلك وقال من رغب عن سنتي فليس مني وهذه العبارات أشد شيء في الإنكار مع أن ما التزموا لم يكن إلا فعل مندوب آخر وكذلك ما في الحديث أنه عليه السلام رأى رجلا قائما في الشمس فقال ما بال هذا قالوا نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس ويصوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مره فليجلس وليتكلم وليستظل وليتم صومه قال مالك أمره أن يتم ما كان لله عليه فيه طاعة ويترك ما كان عليه فيه معصية فتأمل كيف جعل مالك القيام للشمس وترك الكلام والجلوس معاصي حتى فسر بها الحديث المشهور مع أنها في أنفسها أشياء مباحات لكنه لما أجراها مجرى ما يتشرع به ويدان لله به صارت عند مالك معاصي لله وكلية قوله كل بدعة ضلالة شاهدة لهذا المعنى والجميع يقتضي التأثيم والتهديد والوعيد

وهي خاصية المحرم قال وأما كلام العلماء فإنهم وإن أطلقوا الكراهية في الأمور المنهي عنها لا يعنون بها كراهية التنزيه فقط وإنما هو اصطلاح للمتأخرين حين أرادوا أن يفرقوا بين القبيلين فيطلقون لفظ الكراهية على كراهية التنزيه فقط ويخصون كراهية التحريم بلفظ التحريم والمنع وأشباه ذلك وأما المتقدمون من السلف فإنهم لم يكن من شأنهم فيما لا نص فيه صريحا أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام ويتحامون هذه العبارة خوفا مما في الآية من قوله تعالى ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب وحكى مالك عمن تقدمه هذا المعنى فإذا وجدت في كلامهم في البدعة أو غيرها أكره هذا ولا أحب هذا وهذا مكروه وما أشبه ذلك فلا تقطعن على أنهم يريدون التنزيه فقط فإنه إذا دل الدليل في جميع البدع على أنها ضلالة فمن يعد فيها ما هو مكروه كراهية التنزيه اللهم إلا أن يطلقوا لفظ الكراهية على ما يكون له أصل في الشرع ولكن يعارضه أمر آخر معتبر في الشرع فيكره لأجله لا لأنه بدعة مكروهة على تفصيل يذكر في موضعه

ا هـ

محل الحاجة من كلام الشاطبي في الاعتصام قلت وحاصل طريقتي عدم التفصيل في البدع أنها على الأولى لا تكون إلا كبائر

وإن تفاوتت أفرادها بكثرة العقاب وعدم كثرته وأنها على الثانية تكون كبائر أو صغائر أو مكروهة إلا أن صغائرها وإن كانت كصغائر غيرها من المعاصي لا يتحقق صغرها إلا بالشروط الأربعة المتقدمة لكن تحقق الشروط في صغائرها بعيد جدا ومكروهها ليس معناه التنزيه وعدم العقاب بل معناه أن عقابه أقل من عقاب الصغيرة فافهم والذي يتحصل من جميع ما ذكر أن طريقة أصحاب مالك المتقدمين على الأصل واختارها الشاطبي وبنى عليها كتابه الاعتصام من أن البدع لا تكون إلا قبيحة منهيا عنها مبنية على أمور ثلاثة الأول أن البدعة حقيقة فيما لم يفعل في الصدر الأول ولم يكن له أصل من أصول الشرع ومجاز في غير ذلك الأمر الثاني أن جميع ما ورد في ذم البدع من نحو قوله صلى الله عليه وسلم كل بدعة ضلالة باق على عمومه الأمر الثالث القول بأن البدع لا تدخل إلا في العاديات التي لا بد فيها من التعبد وأن طريقة انقسام البدع إلى قبيحة وحسنة والقبيحة إلى حرام واصل إلى حد الكفر أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت