صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
فكان ذلك سببا لعظم ما هو صغير وكذلك معنى البدع المكروهة أنها أدنى رتبة في الذم من رتبة الصغيرة وليس معناها التنزيه الذي هو نفي إثم فاعلها ورفع الحرج عنه ألبتة لأن هذا مما لا يكاد يوجد عليه دليل من الشرع ولا من كلام الأئمة على الخصوص أما الشرع ففيه ما يدل على خلاف ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال من قال أما أنا فأقوم الليل ولا أنام وقال الآخر أما أنا فلا أنكح النساء إلى آخر ما قالوا رد عليهم عليه السلام ذلك وقال من رغب عن سنتي فليس مني وهذه العبارات أشد شيء في الإنكار مع أن ما التزموا لم يكن إلا فعل مندوب آخر وكذلك ما في الحديث أنه عليه السلام رأى رجلا قائما في الشمس فقال ما بال هذا قالوا نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس ويصوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مره فليجلس وليتكلم وليستظل وليتم صومه قال مالك أمره أن يتم ما كان لله عليه فيه طاعة ويترك ما كان عليه فيه معصية فتأمل كيف جعل مالك القيام للشمس وترك الكلام والجلوس معاصي حتى فسر بها الحديث المشهور مع أنها في أنفسها أشياء مباحات لكنه لما أجراها مجرى ما يتشرع به ويدان لله به صارت عند مالك معاصي لله وكلية قوله كل بدعة ضلالة شاهدة لهذا المعنى والجميع يقتضي التأثيم والتهديد والوعيد
وهي خاصية المحرم قال وأما كلام العلماء فإنهم وإن أطلقوا الكراهية في الأمور المنهي عنها لا يعنون بها كراهية التنزيه فقط وإنما هو اصطلاح للمتأخرين حين أرادوا أن يفرقوا بين القبيلين فيطلقون لفظ الكراهية على كراهية التنزيه فقط ويخصون كراهية التحريم بلفظ التحريم والمنع وأشباه ذلك وأما المتقدمون من السلف فإنهم لم يكن من شأنهم فيما لا نص فيه صريحا أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام ويتحامون هذه العبارة خوفا مما في الآية من قوله تعالى ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب وحكى مالك عمن تقدمه هذا المعنى فإذا وجدت في كلامهم في البدعة أو غيرها أكره هذا ولا أحب هذا وهذا مكروه وما أشبه ذلك فلا تقطعن على أنهم يريدون التنزيه فقط فإنه إذا دل الدليل في جميع البدع على أنها ضلالة فمن يعد فيها ما هو مكروه كراهية التنزيه اللهم إلا أن يطلقوا لفظ الكراهية على ما يكون له أصل في الشرع ولكن يعارضه أمر آخر معتبر في الشرع فيكره لأجله لا لأنه بدعة مكروهة على تفصيل يذكر في موضعه
ا هـ
محل الحاجة من كلام الشاطبي في الاعتصام قلت وحاصل طريقتي عدم التفصيل في البدع أنها على الأولى لا تكون إلا كبائر
وإن تفاوتت أفرادها بكثرة العقاب وعدم كثرته وأنها على الثانية تكون كبائر أو صغائر أو مكروهة إلا أن صغائرها وإن كانت كصغائر غيرها من المعاصي لا يتحقق صغرها إلا بالشروط الأربعة المتقدمة لكن تحقق الشروط في صغائرها بعيد جدا ومكروهها ليس معناه التنزيه وعدم العقاب بل معناه أن عقابه أقل من عقاب الصغيرة فافهم والذي يتحصل من جميع ما ذكر أن طريقة أصحاب مالك المتقدمين على الأصل واختارها الشاطبي وبنى عليها كتابه الاعتصام من أن البدع لا تكون إلا قبيحة منهيا عنها مبنية على أمور ثلاثة الأول أن البدعة حقيقة فيما لم يفعل في الصدر الأول ولم يكن له أصل من أصول الشرع ومجاز في غير ذلك الأمر الثاني أن جميع ما ورد في ذم البدع من نحو قوله صلى الله عليه وسلم كل بدعة ضلالة باق على عمومه الأمر الثالث القول بأن البدع لا تدخل إلا في العاديات التي لا بد فيها من التعبد وأن طريقة انقسام البدع إلى قبيحة وحسنة والقبيحة إلى حرام واصل إلى حد الكفر أو