(فَصْلٌ فِي الرد على ابْنِ إسْرَائِيلَ وَشَيْخِهِ)
قَالَ ابْنُ إسْرَائِيلَ الْأَمْرُ أَمْرَانِ: أَمْرٌ بِوَاسِطَةِ وَأَمْرٌ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فَالْأَمْرُ الَّذِي بِالْوَسَائِطِ رَدَّهُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَبِلَهُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَالْأَمْرُ الَّذِي بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {إنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} . فَقَالَ لَهُ فَقِيرٌ: إنَّ اللَّهَ قَالَ لِآدَمَ بِلَا وَاسِطَةٍ: لَا تَقْرَبُ الشَّجَرَةَ - فَقَرِبَ وَأَكَلَ. فَقَالَ: صَدَقْت وَذَلِكَ أَنَّ آدَمَ إنْسَانٌ كَامِلٌ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ شَيْخُنَا عَلِيٌّ الْحَرِيرِيُّ: آدَمَ صَفِيُّ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ تَوْحِيدُهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَكَانَ قَوْلُهُ لِآدَمَ"لَا تَقْرَبْ الشَّجَرَةَ"ظَاهِرًا وَكَانَ أَمْرُهُ"كُلْ"بَاطِنًا فَأَكَلَ فَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى. وَإِبْلِيسُ كَانَ تَوْحِيدُهُ ظَاهِرًا فَأُمِرَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَرَآهُ غَيْرًا فَلَمْ يَسْجُدْ. فغير اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَالَ: {اخْرُجْ مِنْهَا} .
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - بَعْدَ كَلَامٍ سَبَقَ:
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْ شَيْخِهِ مِنْ أَنَّ آدَمَ كَانَ تَوْحِيدُهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَكَانَ قَوْلُهُ"لَا تَقْرَبْ"ظَاهِرًا وَكَانَ أَمْرُهُ"بكل"بَاطِنًا. فَيُقَالُ: إنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهِ قَالَ"كُلْ"بَاطِنًا أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فِي الْبَاطِنِ أَمْرَ تَشْرِيعٍ وَدِينٍ: فَهَذَا كَذِبٌ وَكُفْرٌ وَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّهُ خَلَقَ ذَلِكَ وَقَدَّرَهُ وَكَوَّنَهُ: فَهَذَا قَدَرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ آدَمَ وَبَيْنَ سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ فَإِنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
وَإِنْ قِيلَ: إنَّ آدَمَ شَهِدَ الْأَمْرَ الْكَوْنِيَّ الْقَدَرِيَّ وَكَانَ مُطِيعًا لِلَّهِ بِامْتِثَالِهِ لَهُ. كَمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ: إنَّ الْعَارِفَ الشَّاهِدَ لِلْقَدَرِ يَسْقُطُ عَنْهُ الْمُلَامُ. فَهَذَا مَعَ أَنَّهُ مَعْلُومٌ بُطْلَانُهُ بِالضَّرُورَةِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ كُفْرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. فَيُقَالُ: الْأَمْرُ الْكَوْنِيُّ يَكُونُ مَوْجُودًا قَبْلَ وُجُودِ الْمُكَوَّنِ لَا يَسْمَعُهُ الْعَبْدُ وَلَيْسَ امْتِثَالُهُ مَقْدُورًا لَهُ بَلْ الرَّبُّ هُوَ الَّذِي يَخْلُقُ مَا كَوَّنَهُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْخَلْقِ وَالتَّكْوِينِ. وَالْعَبْدُ وَإِنْ كَانَ فَاعِلًا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ ذَلِكَ فَتَكْوِينُ اللَّهِ لِلْعَبْدِ لَيْسَ هُوَ أَمْرًا لِعَبْدِ مَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ يُمْكِنُهُ الِامْتِثَالُ وَكَذَلِكَ مَا خَلَقَهُ مِنْ أَحْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ: خَلَقَهُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ و: {إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} فَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ الْمُكَوَّنَاتِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي هَذَا الْأَمْرِ.