فهرس الكتاب

الصفحة 5254 من 9238

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} [سُورَةُ يُوسُفَ: 3] ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَصَصُ مَصْدَرَ قَصَّ يَقُصُّ قَصَصًا، أَوْ كَانَ مَفْعُولًا: أَيْ أَحْسَنَ الْمَقْصُوصِ، فَذَاكَ لَا يَخْتَصُّ بِقِصَّةِ يُوسُفَ، بَلْ قِصَّةُ مُوسَى أَعْظَمُ مِنْهَا قَدْرًا وَأَحْسَنُ، وَلِهَذَا [كَرَّرَ] ذِكْرَهَا فِي الْقُرْآنِ وَبَسْطَهَا، قَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ} [سُورَةُ الْقَصَصِ: 25] وَلِهَذَا قَالَ: {بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ} [سُورَةُ يُوسُفَ: 3] وَقَدْ قُرِئَ: {أَحْسَنَ الْقِصَصِ} بِالْكَسْرِ، وَلَا تَخْتَصُّ بِقِصَّةِ يُوسُفَ، بَلْ كُلُّ مَا قَصَّهُ اللَّهُ فَهُوَ أَحْسَنُ الْقَصَصِ، فَهُوَ أَحْسَنُ مَقْصُوصٍ، وَقَدْ قَصَّهُ اللَّهُ أَحْسَنَ قَصَصٍ.

وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» "قَالَهُ جَوَابًا لِلسَّائِلِ فِي بَيَانِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ وَمَا يَكْرَهُهُ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:" «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ» ". وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الْكِبْرَ مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ الدَّاخِلِ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَمَأْمُورٌ بِضِدِّهِ، فَخَافَ السَّائِلُ أَنْ يَكُونَ مَا يَتَجَمَّلُ بِهِ الْإِنْسَانُ، فَيَكُونُ أَجْمَلُ بِهِ مِمَّنْ لَمْ يَعْمَلْ مِثْلَهُ مِنَ الْكِبْرِ الْمَذْمُومِ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبِي حَسَنًا وَنَعْلِي حَسَنًا، أَفَمِنَ الْكِبْرِ ذَاكَ؟

وَحُسْنُ ثَوْبِهِ وَنَعْلِهِ هُوَ مِمَّا حَصَلَ بِفِعْلِهِ وَقَصْدِهِ، لَيْسَ هُوَ شَيْئًا مَخْلُوقًا فِيهِ بِغَيْرِ كَسْبِهِ كَصُورَتِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» "فَفَرَّقَ بَيْنَ الْكِبْرِ الَّذِي يَمْقُتُهُ اللَّهُ، وَبَيْنَ الْجَمَالِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ إِذَا خَلَقَ شَخْصًا أَعْظَمَ مِنْ شَخْصٍ، وَأَكْبَرَ مِنْهُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ: إِمَّا فِي جِسْمِهِ، وَإِمَّا فِي قُوَّتِهِ، وَإِمَّا فِي عَقْلِهِ، وَذَكَائِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ هَذَا مُبْغَضًا، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ، بَلْ هَذَا خُلِقَ فِيهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ هُوَ مُتَكَبِّرًا عَلَى غَيْرِهِ، بِذَلِكَ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَيَكُونُ هَذَا مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي يَمْقُتُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ لِإِبْلِيسَ: {فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا} [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 13] .

كَذَلِكَ مَنْ خَلَقَهُ اللَّهُ حَسَنَ اللَّوْنِ مُعْتَدِلَ الْقَامَةِ جَمِيلَ الصُّورَةِ، فَهَذَا لَيْسَ مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي يُحْمَدُ عَلَيْهِ أَوْ يُذَمُّ، أَوْ يُثَابُ أَوْ يُعَاقَبُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَيْهِ أَوْ يُبْغِضُهُ عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا كَانَ أَسْوَدَ أَوْ قَصِيرًا، أَوْ طَوِيلًا وَنَحْوَ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي يُحْمَدُ عَلَيْهِ أَوْ يُذَمُّ، وَيُثَابُ أَوْ يُعَاقَبُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَيْهِ أَوْ يُبْغِضُهُ ; وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" «لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضَ إِلَّا بِالتَّقْوَى» ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت