قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - بَعْدَ كَلَامٍ سَبَقَ:
قَوْلُهُ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ} أَيْ دِينَهُ وَإِرَادَتَهُ وَعِبَادَتَهُ وَالْمَصْدَرُ يُضَافُ إلَى الْفَاعِلِ تَارَةً وَإِلَى الْمَفْعُولِ أُخْرَى وَهُوَ قَوْلُهُمْ: مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} فَكُلُّ مَعْبُودٍ دُونَ اللَّهِ بَاطِلٌ وَكُلُّ مَا لَا يَكُونُ لِوَجْهِهِ فَهُوَ هَالِكٌ فَاسِدٌ بَاطِلٌ وَسِيَاقُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَفِيهِ الْمَعْنَى الْآخَرُ. فَإِنَّ الْإِلَهِيَّةَ تَسْتَلْزِمُ الرُّبُوبِيَّةَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} . وَفِي هَذَا قَوْلُ آخَرُ يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ الْوَجْهَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: أَسْلَمَ وَجْهَهُ وَأَقِمْ وَجْهَك وَوَجَّهْت وجهي: هُوَ الْوَجْهُ الظَّاهِرُ كَمَا أَنَّهُ كَذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ فِي قَوْلِهِ: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} وَفِي قَوْلِهِ: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} وَفِي قَوْلِهِ: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} وَقَدْ جَاءَ الْوَجْهُ فِي صِفَاتِ اللَّهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا. قَالُوا: لَكِنَّ الْوَجْهَ إذَا وُجِّهَ: تَبِعَهُ سَائِرُ الْإِنْسَانِ وَإِذَا أُسْلِمَ: فَقَدْ أُسْلِمَ سَائِرُ الْإِنْسَانِ وَإِذَا أُقِيمَ فَقَدْ أُقِيمَ سَائِرُهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَوَجِّهُ أَوَّلًا مِنْ الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ لِلْقَاصِدِ الطَّالِبِ؛ وَلِهَذَا يُذْكَرُ كَثِيرًا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِلْزَامِ لِسَائِرِ صَاحِبِهِ، وَيُعَبَّرُ بِهِ عَنْهُ لَكِنْ هَلْ هَذَا مِنْ بَابِ الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ الَّتِي تَقْلِبُ الِاسْمَ مِنْ الْخُصُوصِ إلَى الْعُمُومِ أَوْ الْحَقِيقَةُ اللُّغَوِيَّةُ بَاقِيَةٌ وَهُوَ مِنْ بَابِ الدَّلَالَةِ اللُّزُومِيَّةِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ. وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ حَتَّى لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: يَدُك أَوْ رِجْلُك حُرٌّ أَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: يَدُك أَوْ رِجْلُك طَالِقٌ إنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا ثُمَّ قَطَعَ الْعُضْوَ قَبْلَ الْإِعْطَاءِ. فَمَنْ قَالَ: إنَّ اللَّفْظَ عِبَارَةٌ عَنْ الْجَمِيعِ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ. وَمَنْ قَالَ: إنَّ الِاسْمَ لِلْعُضْوِ فَقَطْ لَمْ يَسْرِ الْعِتْقُ عِنْدَهُ إلَى سَائِرِ الْجُمْلَةِ؛ لِعَدَمِ تَبْعِيضِهِ. وَقَالَ: إنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. وَإِلَى هَذَا الْأَصْلِ يَعُودُ مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ كَمَا قَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} فَإِنَّ بَقَاءَ وَجْهِهِ الْمُذْوَى بِالْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ: هُوَ بَقَاءُ ذَاتِهِ.