وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - في موضع آخر:
وَالذَّبِيحُ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ ابْنُهُ الْكَبِيرُ إِسْمَاعِيلُ، كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ سُورَةُ"الصَّافَّاتِ"وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَهَبَ لَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ، فَبَشَّرَهُ بِالْغُلَامِ الْحَلِيمِ إِسْمَاعِيلَ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ أَمَرَهُ أَنْ يَذْبَحَهُ، لِئَلَّا يَبْقَى فِي قَلْبِهِ مَحَبَّةُ مَخْلُوقٍ تُزَاحِمُ مَحَبَّةَ الْخَالِقِ، إِذْ كَانَ قَدْ طَلَبَهُ وَهُوَ بِكْرُهُ.
وَكَذَلِكَ فِي التَّوْرَاةِ يَقُولُ:"اذْبَحِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ"، وَفِي تَرْجَمَةٍ أُخْرَى"بِكْرَكَ"، وَلَكِنْ أَلْحَقَ الْمُبَدِّلُونَ لَفْظَ إِسْحَاقَ، وَهُوَ بَاطِلٌ. فَإِنَّ إِسْحَاقَ هُوَ الثَّانِي مِنْ أَوْلَادِهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، فَلَيْسَ هُوَ وَحِيدُهُ وَلَا بِكْرُهُ، وَإِنَّمَا وَحِيدُهُ وَبِكْرُهُ إِسْمَاعِيلُ.
وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ قِصَّةَ الذَّبِيحِ فِي الْقُرْآنِ قَالَ بَعْدَ هَذَا: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [سُورَةُ الصَّافَّاتِ: 112] . وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى {فَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [سُورَةُ هُودٍ: 71] . فَكَيْفَ يُبَشِّرُهُ بِوَلَدٍ ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِذَبْحِهِ؟.
وَالْبِشَارَةُ بِإِسْحَاقَ وَقَعَتْ لِسَارَّةَ، وَكَانَتْ قَدْ غَارَتْ مِنْ هَاجَرَ لَمَّا وَلَدَتْ إِسْمَاعِيلَ، وَأَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَذْهَبَ بِإِسْمَاعِيلَ وَأَمِّهِ إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ لَمَّا جَاءَ الضَّيْفُ - وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ - لِإِبْرَاهِيمَ، بَشَّرُوهَا بِإِسْحَاقَ، فَكَيْفَ يَأْمُرُهُ بِذَبْحِ إِسْحَاقَ مَعَ بَقَاءِ إِسْمَاعِيلَ؟.
وَهِيَ لَمْ تَصْبِرْ عَلَى وُجُودِ إِسْمَاعِيلَ وَحْدَهُ، بَلْ غَارَتْ أَنْ يَكُونَ لَهُ ابْنٌ مِنْ غَيْرِهَا، فَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى ذَبْحِ ابْنِهَا وَبَقَاءِ ابْنِ ضُرَّتِهَا؟ وَكَيْفَ يَأْمُرُ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ بِذَبْحِ ابْنِهِ وَأُمُّهُ مُبَشَّرَةٌ بِهِ وَبِابْنِ ابْنِهِ يَعْقُوبَ؟
وَأَيْضًا فَالذَّبْحُ إِنَّمَا كَانَ بِمَكَّةَ، وَقَدْ رَأَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرْنَيِ الْكَبْشِ فِي الْبَيْتِ فَقَالَ لِلْحَاجِبِ:" «إِنِّي رَأَيْتُ قَرْنَيِ الْكَبْشِ فِي الْكَعْبَةِ، فَخَمَّرَهُمَا ; فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْكَعْبَةِ شَيْءٌ يُلْهِي الْمُصَلِّي» ". وَإِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ هُمَا اللَّذَانِ بَنَيَا الْكَعْبَةَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَإِسْحَاقُ كَانَ فِي الشَّامِ. وَالْمَقْصُودُ بِالْأَمْرِ بِالذَّبْحِ أَنْ لَا يَبْقَى فِي قَلْبِهِ مَحَبَّةٌ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَهَذَا إِذَا كَانَ لَهُ ابْنٌ وَاحِدٌ، فَإِذَا صَارَ لَهُ ابْنَانِ، فَالْمَقْصُودُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِذَبْحِهِمَا جَمِيعًا. وَكُلُّ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ إِسْحَاقُ، فَإِنَّمَا أَخَذَهُ عَنِ الْيَهُودِ، أَهْلِ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْهُمْ.
وَقَدْ بَسَطْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي مُصَنَّفٍ مُفْرَدٍ.