بِخِلَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَإِنَّهُ قَدْ أُخْرِبَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَخَلَا مِنَ السُّكَّانِ، وَاسْتَوْلَى الْعَدُوُّ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِهِ، وَكَذَلِكَ إِخْبَارُهُ بِإِهَانَةِ كُلِّ مِنْ يُنَاوِيهَا: هُوَ لِلْكَعْبَةِ دُونَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ تَعَالَى:
{وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] .
وَالْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ كَانَ مُعَظِّمًا لِلْكَعْبَةِ؛
لَمْ يَرُمْهَا بِمَنْجَنِيقٍ، وَإِنَّمَا قَصَدَ ابْنَ الزُّبَيْرِ خَاصَّةً. وَأَمَّا كَثْرَةُ أَوْلَادِهَا، وَهُمُ الَّذِينَ يَحُجُّونَ إِلَيْهَا وَيَسْتَقْبِلُونَهَا فِي صَلَاتِهِمْ، فَهُمْ أَضْعَافُ أَضْعَافِ أَوْلَادِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
قَالُوا: وَقَالَ أَشْعِيَاءُ - حَاكِيًا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى:"اشْكُرْ حُبِّي وَابْنِي أَحْمَدَ"، فَسَمَّاهُ اللَّهُ حَبِيبًا وَسَمَّاهُ ابْنًا، وَدَاوُدَ ابْنًا غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ خَصَّهُ عَلَيْهِمْ بِمَزِيَّةٍ فَقَالَ:"حُبِّي ابْنِي اشْكُرْهُ"، فَتَعَبَّدَ أَشْعِيَاءُ بِشُكْرِ مُحَمَّدٍ، وَوَظَّفَ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْمِهِ شُكْرَهُ وَإِجْلَالَهُ، لِيَتَبَيَّنَ قَدْرُهُ وَمَنْزِلَتُهُ عِنْدَهُ، وَتِلْكَ مَنْقَبَةٌ لَمْ يُؤْتَهَا غَيْرُهُ مِنَ الرُّسُلِ.
وَقَالَ: أَشْعِيَاءُ:"إِنَّمَا سَمِعْنَا مِنْ أَطْرَافِ الْأَرْضِ صَوْتَ مُحَمَّدٍ"، وَهَذَا إِفْصَاحٌ مِنْ أَشْعِيَاءَ بَاسِمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلْيُرِنَا أَهْلُ الْكِتَابِ نَبِيًّا نَصَّتِ الْأَنْبِيَاءُ عَلَى اسْمِهِ صَرِيحًا، سِوَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.