فهرس الكتاب

الصفحة 4200 من 9238

{وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا وَخَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ وَهَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إلَيْهِ. ثُمَّ قَرَأَ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} .

وَإِذَا تَأَمَّلَ الْعَاقِلُ - الَّذِي يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ - هَذَا الْمِثَالَ وَتَأَمَّلَ سَائِرَ الطَّوَائِفِ مِنْ الْخَوَارِجِ ثُمَّ الْمُعْتَزِلَةِ ثُمَّ الْجَهْمِيَّة وَالرَّافِضَةِ وَمَنْ أَقْرَبُ مِنْهُمْ إلَى السُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مِثْلِ الكَرَّامِيَة والْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ لَهُ سَبِيلٌ يَخْرُجُ بِهِ عَمَّا عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ وَيَدَّعِي أَنَّ سَبِيلَهُ هُوَ الصَّوَابُ - وَجَدْت أَنَّهُمْ الْمُرَادُ بِهَذَا الْمِثَالِ الَّذِي ضَرَبَهُ الْمَعْصُومُ الَّذِي لَا يَتَكَلَّمُ عَنْ الْهَوَى. إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى. وَالْعَجَبُ أَنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُصَرِّحُ بِأَنَّ عَقْلَهُ إذَا عَارَضَهُ الْحَدِيثُ - لَا سِيَّمَا فِي أَخْبَارِ الصِّفَاتِ - حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى عَقْلِهِ وَصَرَّحَ بِتَقْدِيمِهِ عَلَى الْحَدِيثِ وَجَعَلَ عَقْلَهُ مِيزَانًا لِلْحَدِيثِ فَلَيْتَ شِعْرِي هَلْ عَقْلُهُ هَذَا كَانَ مُصَرَّحًا بِتَقْدِيمِهِ فِي الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فَيَكُونُ مِنْ السَّبِيلِ الْمَأْمُورِ بِاتِّبَاعِهِ أَمْ هُوَ عَقْلُ مُبْتَدِعٍ جَاهِلٍ ضَالٍّ حَائِرٍ خَارِجٍ عَنْ السَّبِيلِ؟ فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللَّهِ.

وَهَؤُلَاءِ الِاتِّحَادِيَّةُ وَأَمْثَالُهُمْ إنَّمَا أُتُوا مِنْ قِلَّةِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ بِصِفَاتِ اللَّهِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا عَنْ الْمَخْلُوقَاتِ وَقِلَّةِ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَطَرِيقَةِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ بَلْ قَدْ يَعْتَقِدُونَ مِنْ التَّجَهُّمِ مَا يُنَافِي السُّنَّةَ تَلَقِّيًا لِذَلِكَ عَنْ مُتَفَلْسِفٍ أَوْ مُتَكَلِّمٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ صَادًّا لَهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كُلَّمَا أَرَادَتْ قُلُوبُهُمْ أَنْ تَتَقَرَّبَ إلَى رَبِّهَا وَتَسْلُكَ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ إلَيْهِ وَتَعْبُدَهُ - كَمَا فُطِرُوا عَلَيْهِ وَكَمَا بَلَّغَتْهُمْ الرُّسُلُ مِنْ عُلُوِّهِ وَعَظَمَتِهِ - صَرَفَتْهُمْ تِلْكَ الْعَوَائِقُ الْمُضِلَّةُ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى تَجِدَ خَلْقًا مِنْ مُقَلِّدَةِ الْجَهْمِيَّة يُوَافِقُهُمْ بِلِسَانِهِ وَأَمَّا قَلْبُهُ فَعَلَى الْفِطْرَةِ وَالسُّنَّةِ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَفْهَمُونَ مَا النَّفْيُ الَّذِي يَقُولُونَهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ؟ بَلْ يَجْعَلُونَهُ تَنْزِيهًا مُطْلَقًا مُجْمَلًا. وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَفْهَمُ قَوْلَ الْجَهْمِيَّة. بَلْ يَفْهَمُ مِنْ النَّفْيِ مَعْنًى صَحِيحًا وَيَعْتَقِدُ أَنَّ الْمُثْبِتَ يُثْبِتُ نَقِيضَ ذَلِكَ وَيَسْمَعُ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ ذِكْرَ ذَلِكَ. مِثْلُ أَنْ يَفْهَمَ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَيْسَ فِي جِهَةٍ وَلَا لَهُ مَكَانٌ وَلَا هُوَ فِي السَّمَاءِ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي جَوْفِ السَّمَوَاتِ وَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ؛ وَإِيمَانُهُ بِذَلِكَ حَقٌّ وَلَكِنْ يَظُنُّ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا هَذَا النَّفْيَ اقْتَصَرُوا عَلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. بَلْ مُرَادُهُمْ: أَنَّهُ مَا فَوْقَ الْعَرْشِ شَيْءٌ أَصْلًا وَلَا فَوْقَ السَّمَوَاتِ إلَّا عَدَمٌ مَحْضٌ؛ لَيْسَ هُنَاكَ إلَهٌ يُعْبَدُ وَلَا رَبٌّ يُدْعَى وَيُسْأَلُ وَلَا خَالِقٌ خَلَقَ الْخَلَائِقَ وَلَا عُرِجَ بِالنَّبِيِّ إلَى رَبِّهِ أَصْلًا هَذَا مَقْصُودُهُمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت